الافتتاحية

التربية الإسلامية وإخراج الإنسان عن داعية هواه

allal

رئيس التحرير

د. علال بلحسني

 

      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين والهادي بإذنه تعالى إلى صراطه المستقيم.

      يصدر هذا العدد الثامن من تربيتنا الرقمية، وتربيتنا الإسلامية العامة تفيض علينا من نفحات شهر الصوم، الذي يتدرج بالنفس الإنسانية من الانتهاء عن شهوتي البطن والفرج إلى نهي النفس عن الهوى، والتي كلما تهذبت بالإسلام إيمانا راسخا وشعائر ممارسة، استنار الفكر واستقامت النزوعات ورشدت الدوافع، ألم يقل رسول الله ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»1 فالمقصد الأكبر للوحي هو إخضاع مراد النفس لمراد الله، الذي يتحدد بمجموع الأوامر الشرعية على مستوى الاعتقادات والعبادات والأخلاق، وبالانتهاء عن المحرمات والدنايا والآثام، وهذا ما جعل الإمام الشاطبي يعبر عن ذلك بقوله: “المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا”2 فالتأمل العميق في أي من التكاليف الشرعية

      ينتهي إلى تبين كيف يسهم في ترويض أهواء النفس، وتطويعها لموافقة أحكام الشريعة وتوجهاتها السلوكية.

     واستحضارا لهذه الحقائق يصح القول بأن التربية الإسلامية بالمعنى الخاص يلزم أن تستهدف تربية المتعلم تربية تروم مقصدا أسمى هو إخراجه عن داعية هواه، ولا يتم هذا الأمر إلا بتفعيل طبيعتها التحريرية للإنسان من الاستسلام لأهواء نفسه، والوقوع في أغلال الذاتية الجامحة، وفتح الطريق أمام الإبداع الفكري والعلمي الرصين، في انسجام وتناغم تامين مع مقاصد الإسلام الهادية.

      وحينئذ علينا أن نكسب النشء القدرات والمهارات اللازمة لقراءة آيات الوحي المنظور المتجلية في الكون، وآيات الوحي المسطور المبثوثة في القرآن والسنة، قراءة علمية متبصرة، تؤهله للاضطلاع بمهام ومسؤوليات الاستخلاف في الأرض على النحو المنشود، {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

      فالحديث عن مقصد إخراج المتربين عن داعية أهوائهم، حديث عن الأساس الذي يبنى عليه غيره من المقاصد التربوية الأخرى، فهو بمثابة الشرط مع المشروط كما يقول الأصوليون، ومثال ذلك: أن نهي النفس عن الهوى شرط ليكون الإنسان صالحا ومصلحا، وربانيا وعابدا ومتقيا لله، إلى غير ذلك من المقاصد التربوية الكثيرة، إضافة إلى أن اتباع الشريعة وتطبيقها عموما، رهين بمدى تحقق هذا المقصد، لأن الشريعة عبارة عن أحكام تلزم النفس وتضبطها وتقيدها بمجموعة من القيود، والنفس ميالة بطبعها إلى التحرر والانعتاق من كل قيد حتى ولو كان قيدا شرعيا، بل هي من قيود الشريعة أكثر تهربا، ولو غامر الإنسان بالركون إلى ما تهواه نفسه وترك مجاهدتها لخضع قلبه لسلطان هواه ففسد فكره ومزاجه واختلت رؤيته لنفسه وللحياة من حوله. قال الشيخ صلاح عبدالموجود في كتابه القلوب وآفاتها: “إن اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب، ويصد عن اتباع الحق، ويضل عن الطريق المستقيم، فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتة، والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره، فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن، فالتبس عليه الحق بالباطل، فأنى له الانتفاع بالتذكر والتفكر أو بالعظة فكلما ضعف نور الإيمان في القلب كلما كانت الغلبة للهوى”.3

      فاتباع الهوى سبب رئيسي في كثير من المفاسد الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والمعرفية، والتي لا يمكن الخروج منها إلا بمجاهدة الهوى الذي يعد أصلها كلها.

      فمن هذا المنطلق تصبح مادة التربية الإسلامية الركيزة الأساسية في التنمية الذاتية والتقدم العلمي اللذين نريد تحقيقهما لبلدنا وأمتنا، فالإنسان هو المجال الأول لكل تغيير وإصلاح، ويظل دوما المنطلق والمدخل الرئيسي والحقيقي لكل تنمية مادية وإنسانية رشيدة.

     فهي تنمية تحقق سعادة المعاش ، القائمة على ضبط رغبات النفس وشهواتها وأهوائها وتسديد فكرها بتوجيهات الوحي المعصوم، وتحقق فوق ذلك سعادة المعاد واستحقاق رضى الرحمان،{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [النازعات: 40، 41].

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الهوامش

1 – – مشكاة المصابيح (1/ 59) وصححه الألباني.
2 – الموافقات للشاطبي، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م – ص(2/ 289)

3 – من كتاب الشيخ صلاح عبد الموجود “القلوب وآفاتها” .

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons