تربيتنا والواقع

علاقة التواصل بين الأستاذ والتلميذ

  وسائل الارتقاء والتفعيل 2/1

image

د/ حفيظ غياط

     لا يجادل عاقل منصف – يتابع عن كثب أحوال مجتمعه وواقعه الإنساني عموما في العصر الحديث – مستوى التدهور والانحدار الشديد في العلاقات الإنسانية في أبعادها المختلفة داخل المجتمع والأسرة ثم المدرسة، نتيجة هيمنة النزوعات الأنانية والقيم المادية، والتي ساهمت إلى حد بعيد في رسم خريطة القيم بملامح جديدة مصبوغة بصبغة تتجاوز الحدود وتتحدى الخصوصيات الثقافية والحضارية للمجتمعات، فكل أنواع العلاقات في واقعنا المعاصر تعاني أزمة حادة في التواصل.

     من هذا المنطلق – الذي يؤمن بالنظر الشمولي – يأتي حديثنا عن تدهور العلاقة بين الأستاذ والتلميذ داخل الوسط المدرسي كانعكاس طبيعي للقيم السائدة في المجتمع، ومن ثم لا يليق أبدا أن نقارب هذا الموضوع مبثورا عن سياقه الاجتماعي الذي تخلَّق في رحمه، وتشكل في أجوائه، الأمر الذي يؤكد المسؤولية المشتركة بين جميع الأطراف في تدهور هذه العلاقة وتدنيها.

     كما يأتي هذا المقال للمساهمة في إبداء الرأي في قضية باتت تستأثر باهتمام الخاص والعام، وتثير قلقا كبيرا في أوساط المجتمع، فهي قضية شائكة شديدة التعقيد، متعددة الجوانب والمداخل، تحتاج إلى نقاش عميق ومسؤول يشارك فيه الجميع، لأنه يهم الجميع ويكتوي بناره الجميع. وكل استهانة بشأنه أو التقليل من خطورته كفيل بأن يهدم البقية الباقية، ويأتي على بنيانها من القواعد، ولذا فنحن اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى الوقوف بحزم كبير لمعالجة هذه المعضلة، وإيجاد حلول ناجعة وجذرية لها، وتعبئة كل المسؤولين من قريب أو بعيد للمساهمة وتحمل المسؤولية قبل فوات الأوان.

     فما هي تجليات هذا الانحدار والتردي في العلاقة بين الطرفين؟ وماهي آثاره على العملية التعليمية برمتها؟

 تجليات تدهور العلاقة بين الطرفين وآثارها

     إن ما يؤكد هذا الحكم بتدهور العلاقة بين الأستاذ والتلميذ وضعف الصلة بينهما، ما يعج به واقعنا اليومي من أحداث ووقائع صادمة آل إليها واقعنا التربوي التعليمي، فبين الفينة والأخرى تطالعنا وسائل الإعلام المختلفة بخبر لحادث مؤلم، يكون فيه الفاعل والمفعول به ركنان لجملة واحدة – الأصل فيها الانسجام الكامل- ذلك أن الأستاذ والتلميذ هما أعظم أركان العملية التربوية وأساس نجاحها، إذ يمثلان معا العنصر البشري الفاعل والمؤثر ضمن العناصر المكونة لهذه العملية، وسواء كان عنصرا هذه الثنائية هما: الأستاذ والتلميذ، أو المعلم والمتعلم، أو المربِي والمربَّى أو الأب وأولاده فإن كل هذه الصيغ والتعابير – المتداولة – تشير إلى حقيقة واضحة، هي أنها علاقة إنسانية فريدة وسامية تتجاوز الزمان والمكان لتمتد بعيدا في أثرها، متجاوزة هذه الحدود الوهمية. وكل اضطراب في هذه العلاقة ينذر بفشل ذريع للممارسة التربوية التعليمية، ويضيِّع قيمتها العظيمة، ويفسد مخرجاتها وثمارها العاجلة والآجلة.

     لقد صار الواقع المعاصر لهذه المهنة وأهلها محل السؤال والدراسة لما آلت إليه الأوضاع وأحوال القائمين عليها، حتى صار المعلم يحذر من يحب من تلاميذه وأولاده من ارتياد هذه المهنة الشاقة.

    لقد تدنت العلاقة بين هذين الركنين إلى حد بعيد جعل الهوة بينهما شاسعة واسعة، حيث غاب حضور الإنسان فيهما معا، فكان ما كان من العقوق والعصيان المجانب لحقيقة البر والإحسان.

     وقد اتخذ هذا العنف1المتبادل بين الأستاذ والتلميذ أشكالا وصورا شتى، تدل جميعها على ما أصاب منظومة القيم من تصدعات أفقدتها التوازن في جميع أطرافها وجوانبها. وإنه لمن المؤسف حقا ما نعاينه وما نسمعه في الأوساط التربوية من انتشار متصاعد لظاهرة العنف المدرسي عموما، والعنف بين الأستاذ والتلميذ على وجه خاص، حيث تفيد التقارير2 ارتفاع نسب العنف بين الطرفين بشكل مقلق سواء داخل الفصل الدراسي أو المؤسسة التعليمية، أو حتى خارج أسوارهما.

     وقد تعددت أشكال هذا العنف وصوره بين العنف اللفظي والنفسي (كالسب والشتم والتسفيه والتجريح والتهكم والتحقير الإهانة والإذلال النفسي…)، إلى العنف الجسدي ( كالضرب والجرح ) المسبب للإعاقة البدنية، أو حتى الاضطرابات النفسية والعقلية، وقد تطور الأمر في أحيان كثيرة إلى القتل العمد الذي يعتبر ثمرة مرة الطعم لتأزم العلاقة واضطرابها، بل وانقطاع حبلها.

     لقد ألحق هذا الوضع المتأزم – في العلاقة بين الطرفين- وهناً شديداً، وضعفا كبيراً بالجسم التربوي، جعل العملية التعليمية والتربوية شكلا بلا روح عندما غابت عنها الأبعاد الإنسانية الراقية. فحسن العلاقة الإنسانية بين الطرفين أخصر سبيل لحصول المقصود وبلوغ المأمول.

     يقول الدكتور مازن الحلبي: “لاحظت على مدى ما يقرب من عشرين عامًا كنت فيها طالبًا ومدرسًا، مدى الاستجابة الكبيرة لتلقي العلم حينما تكون علاقة الطالب بمدرسه طيبة، بينما النقيض من ذلك يؤدي إلى سوء الفهم، وكذلك التحصيل، وبالتالي تدهور نتيجة الامتحانات. إن الطالب القريب نفسيًا من المدرس يشبه الفراشة الحرة، يكون قادرا على امتصاص رحيق العلم، يسأل ويستفسر في أدق الأمور، فينفذ بذلك إلى أغوار العلم ينهل منها قدر طاقته على الجانب الأخر حينما يكون المدرس لغزاً، يخشاه الطالب ويتجنبه، لاستهجان المدرس لأسئلة الطالب أو ادعاء عدم فهم الطالب، يضع المدرس قيداً حديديًا على عقل الطالب فيشل تفكيره لأنه يتحرك في دائرة تكاد تكون مغلقة. ودائمًا أردد على سمع الطالب أن المدرس يجب ألا يقول للطالب ما قاله المتنبي الشاعر العظيم لسلطان مصر كافور الإخشيدي: “لم لا تفهم ما يقال ؟ “رداً على سؤال السلطان: “لم لا تقول ما يفهم ؟”3.

     لقد أثمر سوء العلاقة نفورا وكرها عند الكثير من التلاميذ للمدرسة، حيث ارتبطت عندهم بذكريات سيئة مؤلمة منذ مراحل التمدرس الأولى، بسبب عقاب المعلم، كما صار العمل بوظيفة التدريس مسكونا بهواجس مثبطة لعزيمة المدرس، حيث صارت مهنةَ المتاعب والقلق والمخاطر لدى فئات كثيرة من رجال ونساء التعليم، ولذلك لم يعد من المستغرب في وقتنا الحاضر أن تلمس تضجرا كبيرا، مصبوغا بغبن عميق وأنت تحاور مدرسا لأسباب كثيرة سنقوم بعرض أهمها فيما يأتي.

     إن هذا الوضع المتأزم والأجواء المشحونة يحتم على الجميع التعاون لإنقاذ الوضع والخروج به من وضعه المريض إلى آفاق تربوية صحية وسليمة تعود فيها الأمور إلى نصابها، بحيث يتحمل كل طرف مسؤوليته الكاملة في الحفاظ على ما تبقى من خير في الجسد التربوي التعليمي، والمساهمة في علاج أعطابه وتضميد جراحه.

     ولعله من المفيد جداً – ونحن نقارب أزمة واقع تربوي شديد الارتباط بمنظومة القيم السائدة في المجتمع – أن نعود بالذاكرة إلى مصدر الضوء ومعدن النور، إلى كتاب ربنا الحكيم ومنهج رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، إلى مواقف التربية والتعليم في ذلك الزمن الفاضل المبارك في تراثنا الإسلامي نستلهم منها معاني الأمانة والمسؤولية والبذل والإخلاص والوفاء والتقدير، وقيم نبيلة عز وجودها في عصرنا إلا في أحيان قليلة.

مكانة المربي والمعلم في الإسلام:

    يعتبر الإسلام المربي أبا ثانيا، قد يفوق فضله على المتربي فضل الوالدين، لأنه يزكي النفوس ويطهر القلوب وينور العقول، ويؤهل من يربيهم لسعادة الدنيا والآخرة، في حين يولي الوالدان أهمية كبرى لتنمية مطالبه الجسدية بدرجة أكبر من عنايتهم بالجوانب الاخرى. كما أن الوقت الذي يُمضيه المتعلم مع معلمه لا يقل عن الوقت الذي يقضيه مع والديه، فهذه الرفقة التربوية وهذا الجوار بين الطرفين كفيلان بتقوية هذه الصلة وحفظ الحقوق المتبادلة فيها برا وإحساناً.

     فمهمة التربية والتعليم من أشرف المهام وأعلاها قدرا، وهي مقصد عظيم من مقاصد البعثة النبوية، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الجمعة/2]. حيث قرنت الآية الكريمة بين التعليم والتزكية، مما يدل على أن وظيفة المعلم لا تنفصل عن التربية والتزكية، بل إن التزكية أساس تحصيل العلم والمعرفة،

    فلا تعليم بدون تربية، ومن ثم فلا تبلغ العملية التربوية مقاصدها وغاياتها إذا غيِّبت القيم التربوية عن الساحة التعليمية، أو لم يمكَّن لها تمكينا يجعل مقامها عاليا وشأنها رفيعا سامقا، ولا فلاح لأمة ضاعت فيها الأخلاق وتمزقت فيها الصلات والروابط الإنسانية، لأن الأخلاق أساس البقاء، وضياعها معجل بالفناء الحضاري للأمم، ومن هنا نفهم مراد أمير الشعراء أحمد شوقي بقوله:

     إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

  وقوله أيضا:

    صلاح أمرك للأخلاق مرجعُه *** فقوّم النفس بالأخلاق تستقِم

     والعلاقة بين المعلم والمتعلم من أوضح أشكال العلاقات الإنسانية ارتباطا بالأخلاق لأنها تنبني على أساس الإحسان الذي يمتد أثره بعيدا جدا في شخصية المتعلم، فالأستاذ محسن بتعليمه لتلميذه الذي هو أمانة بين يديه ورهن تصرفه، فكلما أحسن إلى متعلمه وصان الأمانة وحفظ العهد كان بحق وريث الأنبياء والمرسلين، وحقيقا بلقب المعلم4، وما أشرفه من لقب وما أنفسه من وسام، فحسبُ المعلم شرفاً ورفعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف نفسه بالمعلم فقال: )إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا)5، فقرن عليه الصلاة والسلام بين التعليم والتيسير ، وجعل صفة التيسير خلقا للمعلم المربي، ومنهجا ملازما لفعله التعليمي وممارسته التربوية.

مواقف من حياة السلف شاهدة على نبل العلاقة بين المعلم والمتعلم:

    لقد كانت العلاقة بين المربي والمتربي قوامها الحب والوفاء والإخلاص والمودة، ذلك أن المعلم بمثابة الوالد الذي يربي أولاده ويحب الخير لهم، والتلميذ في مقام الولد المطيع، سمته البر والاحترام، والإجلال والتوقير لمعلمه وأستاذه الذي يرى فيه أسباب صلاحه وفلاحه، فيخضع له بالأدب وحسن الخلق طلبا للعلم النافع والأدب الرفيع، هكذا كانت الحال كما شهدت بذلك المواقف المشرقة في تاريخنا التربوي الإسلامي.

* يقول شعبة بن الحجاج: “ما سمعت من أحد حديثاً إلا كنت له عبداً”.

* وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)6.

* وهذا تلميذ الإمام أبي حنيفة أبو يوسف القاضي يقول: ” والله إني لأدعو لأبي حنيفة قبل والديَّ في الصلاة”!! فقد تعلم هذا الإجلال والتقدير من أستاذه أبي حنيفة، الذي قال:” ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد وفاء له، وإن بين بيتي وبيته لسبع سكك”.

* ويقول الإمام احمد بن حنبل: (ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا استغفر للشافعي، وأدعو له )

* وكان الإمام الشافعي (ض) كثير الاقتداء بأستاذه مالك بن أنس (ض) والاعتراف له بفضله، ومما قاله في حقه: “مالك بن أنس معلمي – وفي رواية أستاذي، ومنه تعلمنا العلم ، وإذا ذُكِر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنّ عليّ من مالك، وعنه أخذت العلم”، وقال :”إنما أنا غلام من غلمان مالك”، وقال: “جعلت مالكاً حجة فيما بيني وبين الله”7.

    فالعلم رَحِمٌ بين أهله، لذلك قال الحبيب المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ أُعَلِّمُكُمْ…)8.

     فهذه مقتطفات عاجلة من صفحات تاريخنا التربوي المشرق، تفصح عن طبيعة العلاقة بين المعلم والمتعلم، ومقدار التعظيم والإجلال التي حظي بها الأستاذ المربي والأب الرحيم من طرف تلاميذه البررة، فكانت الثمرة طيبة والآثار جلية.

     ومن باب العدل والإنصاف أود أن أنبه في هذا السياق إلى أن النماذج المشرقة – لنجاح العلاقة بين الأستاذ والتلميذ – ليست مقتصرة على الماضي البعيد الذي حفلت به مؤلفات علمائنا الأفاضل فحسب، بل هي حاضرة في كل عصر ومصر ، لا تنعدم ما دام الخير موجودا في هذه الأمة.

     ومن هذه النماذج المشرقة والمفرحة في واقعنا المعاصر- والتي تبقى حية ولو مع تقدم السنون – تلك الصورة التي تناقلتها الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي لمعلم أحسن إلى تلاميذه منذ أزيد من ثلاثين عاما، فكانت ثمرات هذا الإحسان جنية جميلة اعترافا بفضله، وإجلالا لقدره. إنها قصة مدرس اللغة الفرنسية – بمدينة طنجة – الذي زرع قيما نبيلة في نفوس متعلميه إبان سنوات التدريس الخالية، حيث قام بعض تلاميذه بمبادرة فريدة لإحياء الذكرى، فبذلوا جهدا كبيرا لجمع أصدقائهم في الدراسة – بعد هذه السنين الطويلة – وقرروا الاحتفاء بمعلمهم القدير من خلال تقديم هدية رمزية له (عمرة) عربون وفاء وتقدير .

     فما أجمل مثل هذه المبادرات التي تحيي النفوس، وتألف بين القلوب، وتبادل الإحسان بالإحسان، فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، والمعروف لا تنساه النفوس الكريمة، ولا يُبلي جدّته تعاقب السنين. لكنها للأسف تبقى مبادرات نادرة الوجود في عصر قل فيه الاعتراف بالجميل.

     انطلاقا مما سبق عرضه يتضح بجلاء كبير شساعة المسافة بين مكانة المعلم المربي في الماضي ومكانته في الحاضر، وبالتالي الفرق بين مخرجات العملية التربوية وثمارها علميا وأخلاقيا بين الماضي والحاضر، وبالرغم من كون أسباب التعلم والمعرفة في عصرنا متوفرة وقريبة المنال، لكن أخلاق العلم وآدابه المحصنة للعملية التربوية غائبة، ومن حُرِم الأخلاق والأدب حُرِم الثمرة الطيبة والسلوك القويم الذي يعصم سير الانسان من الزلل، ولأجل ذلك حُق لنا السؤال عن العوامل المتسببة في تكريس هذا الوضع الوضيع، وقطيعة الرحم بين المعلم/الأب والتلميذ/الابن، فماهي الأسباب، ومن المسؤول؟

أسباب تدهور علاقة الأستاذ بالتلميذ

    يعتبر الحديث عن أسباب تدهور علاقة الأستاذ بالتلميذ حديثا متعدد الأبعاد نظرا لتعدد الأطراف المتدخلة في العملية التربوية التعليمية، حيث يكون من غير العدل إلقاء اللوم على طرف معين وتحميله تبعات فشل المنظومة التعليمية وانهيارها، فكثيرا ما سمعنا حوارات أو تعليقات متسرعة تلقي الأحكام على عواهنها بعيدة عن الواقع، وبلا بينة أو دليل يسند دعواها، فتجور في الحكم على طرف ما، سواء كان هذا الطرف المتهم هو: الدولة أو الأسرة أو الأستاذ أو الاعلام أو غير هؤلاء… والحقيقة أن مثل هذه القضايا الكبيرة، فيها من التركيب والتعقيد ما يجعل الأحكام فيها تتلاطم والأقلام تتعارك، لصعوبتها من جهة، وللخلفيات الفكرية الموجهة للمتعاطين معها من جهة أخرى.

     ومن هنا أعتقد أن هذه المعالجة لا تتبرأ من كل هذه المؤثرات المختلفة، أو أنها ستقدم حلا سحريا يحسم الإشكال أو يمسح آثاره أو يكشف أسراره بقدر ما أراها مساهمة في الحل نطمح جميعا لبلوغه أفرادا وجماعات، أسرا ومؤسسات، لعلنا نصل بهذه العلاقة إلى بر الأمان، ونجني جميعا ثمارها الجنية وننعم بآثارها النقية، ونحفظ ركاب السفينة من الغرق… وحتى إن قَصُرَتْ عن تحقيق شيء من ذلك كله فلعلها تساهم في إثارة القضية والتحسيس بأهميتها وخطورتها، فإثارة الإشكال من شأنها زعزعة المسلمات وإعادة التفكير في القضية تارة أخرى.

     ومن خلال متابعتي للشأن التربوي التعليمي ممارسا وباحثا، أرى أن الأسباب التي تقف وراء هذا التدهور في علاقة الأستاذ والتلميذ متعددة، منها ما يتعلق بطرفي العلاقة المباشرين (الأستاذ والتلميذ)، ومنها ما يعود إلى الأسرة، ومنها ما هو راجع إلى البيئة المحيطة بالمتعلم القريبة والبعيدة، ومنها ما يرجع إلى التأثير الإعلامي بأشكاله وصوره المختلفة… كل هؤلاء في نظري يتحملون المسؤولية في ما آلت إليه هذه العلاقة بين الطرفين بدرجات متفاوتة وبأقدار متباينة. ذلك أن تحديد المسؤوليات مدخل مهم يساعدنا في إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلنا، فتكون اختياراتنا حكيمة متبصرة، وأهدافنا واضحة، وخطواتنا ثابتة في اتجاه الغاية المقصودة.

     ولأن العملية التربوية عملية مركبة ومتشابكة الخيوط فإن أسباب هذه الظاهرة تتعدد وتتنوع لتشمل الجوانب التربوية الأخلاقية، و العلمية المعرفية، والسياسية والاقتصادية…

1- أسباب تتعلق بالأستاذ المربي:

    سواء تعلق الأمر بكفاءته العلمية أو مهاراته التواصلية أو مظهره الاجتماعي … وكل هذه الأسباب مؤثرة في علاقاته المهنية وخصوصا مع التلميذ، فنجاحه في مهمته التربوية أو فشله فيها وثيق الصلة بكل هذه العوامل وغيرها:

* فمن ناحية الكفاءة العلمية للمدرس: يمكن القول بأن محدودية أفقه العلمي المعرفي، وغياب القدرة على الابداع والابتكار في عرضه للمادة العلمية، شكلا ومضمونا من شأنه أن يبعث على الملل وضعف التقدير لمقامه، خصوصا إذا لم يجد التلميذ في مادته ما يثير الاهتمام، أو يحفز على المتابعة والانتباه، حيث يفقد المتعة في التعلم، فالتدريس فن وصناعة لها أصولها، ويحصل فيها التفاوت بين المدرسين بقدر اجتهادهم بل وحتى مواهبهم. أضف إلى ذلك أساليب الحوار والتواصل التي ينتهجها الأستاذ مع متعلميه، فكلما كانت جذابة ومتنوعة، كلما أتت أكلها، وبلغت مقصدها، فالتجديد في الوسائل والأساليب ضرورة ملحة.

* ومما يتعلق بفن التواصل حكمة المدرس ولباقته في إدارة الحوار ، وحسن تدبير الاختلاف وترشيده، من خلال انتقاء الكلام المناسب، والمقام المناسب، والأسلوب الأليق للتوجيه والمعالجة للأخطاء وإصلاحها9، مما يساهم في كسب احترام التلاميذ وحبهم له. لكن في أحيان كثيرة يكون الأستاذ سبباً في دفع التلميذ لإهانته عندما يُزري بنفسه وينحط بها عن الاحترام المستحق، خصوصا عندما يكسر الحدود الأساسية في علاقته بمتعلميه، فيدخل معهم في علاقات شخصية متعلقة بأمور مادية أو بأسرار شخصية أو مزاح هابط بعيد عن الأغراض التربوية والضوابط التعليمية. وإذا غاب الاحترام المستحق للمعلم سقط الحياء منه فتضيع الهيبة والتقدير ، وتحل محل ذلك الجرأة وما يلي ذلك من سلوكات مشينة، كان من الحزم لجمها في مهدها وسد الذرائع المفضية إليها… والحديث عن وضع الحدود مع التلميذ لا يقصد بها قمعه أو العبوس في وجهه أو العمل على إخافته جلبا للهيبة والاحترام تعسفا، وإنما القصد التحلي بالحكمة في تدبير هذه العلاقة بمنهج التوازن والاعتدال بلا إفراط أو تفريط.

* ومن الأسباب كذلك أحوال الأستاذ الاجتماعية والنفسية: والتي تلقي بظلالها على مهامه الوظيفية، فواقع السرعة والتعقيد وتداخل المتطلبات والاحتياجات الحياتية، كل هذه العوامل تؤثر سلبا على وقت الأستاذ وصحته وتوازنه النفسي والانفعالي، ومنها علاقته بالتلميذ، ذلك أنه إنسان يؤثر ويتأثر ولا يستطيع أن ينفك – مهما حاول- عن سياقه الاجتماعي العام.

* ومن الأسباب أيضا تفريط الأستاذ في مظهره وهندامه وهو بلا شك مظهر آخر من مظاهر التواصل له أثره البالغ – وإن كان صامتا- على التلميذ، بل وعلى نفسية المعلم كذلك.

* ومن الأسباب التي تساهم في توتر هذه العلاقة أيضا عدم العدل بين المتعلمين، فوقوع الأستاذ في التمييز بين التلاميذ – في المعاملة أو وضع النقط – لاعتبارات غير علمية أو تربوية سبب كاف لتغيُّر نظرة التلميذ لأستاذه وسقوط احترامه له، لأنه يشعر بالظلم خصوصا إذا كان الأستاذ مفضلا غيره عليه ممن هم دونه علميا وأخلاقيا، وقد حرم الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الظلم فقال – فِيمَا رَوَى عَنْه النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا)10.

* تقصير الأستاذ في محاولة فهم التلميذ في جوانبه المتعددة للتعامل معه على ذلك الأساس بعلم وحكمة، ولعل السبب في ذلك ضعف تكوينه في المعرفة المتعلقة بعلم النفس التربوي وقضايا المراهقة التي يكون استيعابها سبيلا لتفادي العديد من المشاكل وردود الأفعال المولدة للصراعات والأزمات.

* صعوبة التحكم الجيد في الفصل الدراسي نظرا لعدة عوامل خارجة عن مسؤولية الأستاذ، كالاكتظاظ المولد للشغب، الأمر الذي يساهم في توتر الأستاذ وخروج ردود فعله عن السيطرة .

2- أسباب تتعلق بالتلميذ:

* اعتبار التلميذ الغشَّ في الامتحان حقا وضرورة: فتكون صرامة الأستاذ في محاربة الغش سببا في توتر العلاقة بينهما، حيث يعتبر التلميذ الغشاش الأستاذ سببا في فشله وتدمير مستقبله… وما ذلك إلا لأن الغش صار حقا مكتسبا، ووسيلة ضرورية لتحقيق النجاح بدون جهد ولا اجتهاد، وإن كانت آثار ذلك قبيحة في المآل، عندما تخرج مؤسساتنا التعليمية أفواجا من الغشاشين يتحملون المسؤولية، فيغشون ويفسدون، ويسيئون ولا يحسنون.

* ترهل المستوى التربوي والأخلاقي لدى التلميذ: وهذا انعكاس طبيعي للمؤثرات المختلفة في حياته الاجتماعية، فالتلميذ ابن بيئته وواقعه، لا ينفك عنه لقوة الارتباط والصلة بينهما، ومن ثم نحتاج -لإصلاحه وتنميته – بالضرورة إلى إصلاح محيطه بأبعاده المختلفة، وأي محاولة تروم الإصلاح خارج هذا الوعي فمصيرها الفشل، لأنها تُغيِّب الواقع المؤثر في حركة هذا الإنسان موضوع التربية والإصلاح.

* التجاوزات في اللباس لدى الجنسين والتي لا تتوافق وأجواء الدراسة، مما يجعل مناخ القسم فاقدا للاحترام والوقار الذي يتطلبه مكان طلب العلم، والمسؤولية هنا مشتركة بين الأسرة والإدارة التربوية وهيئة التدريس… إذ يجب على الجميع التنبيه والتحسيس بخطر ذلك، بل واتخاذ عقوبات في حق المخالفين للنظام الداخلي للمؤسسة التربوية، لكن للأسف في كثير من الأحيان يجد المدرس نفسه في واد غير ذي زرع ولا ماء، عندما تكون بعض الأسر سببا في هذا التسيب، ومشجعة لأبنائها وبناتها على حرية في اللباس لا تخضع لأي ضابط ولا تقف عند حد، وهذه التجاوزات في اللباس تكون سببا رئيسيا فيما يقع بين التلاميذ من أشكال التحرش الذي يفضي في أحيان كثيرة إلى اقتراف الفواحش وما ينتج عن ذلك من أزمات اجتماعية ونفسية قد تتطور إلى الانتحار أو القتل. ومن هنا ندرك مقدار المفاسد المتولدة بعضها عن بعض بسبب التساهل في الالتزام بالنظام الداخلي للمؤسسة التعليمية أو داخل فضاء القسم. هذه القوانين التي وإن وجدت تبقى حبرا على ورق بسبب تباين المشارب والإديولوجيات، والتي تدرج مثل هذه القضايا في خانة الحريات الفردية، فيدافع التلميذ أو الأستاذ عن حريته في أن يلبس ما يشاء ولو كان لباسه أقرب إلى التعري المهيج للشهوات، بين فئة من المراهقين تمر من مرحلة عمرية حساسة تستدعي عناية خاصة ومنهجا حكيما في التعامل والتدبير. ولعل الأمثلة المؤكدة لما نقول في واقعنا المعاصر أكثر من أن تحصى. وهذا الذي ذكرنا إذا كان من أسباب توتر العلاقة بين الطرفين لشدة الاختلاف في مفهوم الحرية، فهي نتيجة وأثر مباشر من آثار المد الإعلامي الجارف العابر للحدود، والذي يصهر القيم في إطار ما يسمى ب”القيم الكونية” أو ” الانفتاح والتحرر” أو غير ذلك من الشعارات البراقة والمدمرة التي أنتجها التواصل اللامشروط مع الحضارة الغالبة، فكان الوقوع في فخ التطبيع باسم العولمة استعمارا جديدا، وصورة مقيتة من صور الاستحمار الثقافي، والاستغباء لمجتمعات مسلمة وقعت في الانفصال11 عندما قررت الاتصال12 بثقافة الآخر.

3- أسباب تتعلق بالأسرة:

     لا شك في أن للأسرة دورا كبيرا جدا في التنشئة والإعداد، فهي أول المحاضن التربوية للأبناء، وجرعات التربية التي يتلقاها الأولاد في مراحل طفولتهم الأولى تكون حاسمة في تشكيل الجزء المهم من شخصيتهم المستقبلية، وآثار هذه الجرعات يبقى بارزا ومؤثرا في حياتهم فيما بعد، ولهذا كان التقصير في تربيتهم على القيم النبيلة والاحترام والتقدير للأساتذة، أو عدم التواصل مع المؤسسة التعليمية لمتابعة أحوالهم الدراسية وسيرتهم الأخلاقية مع أساتذتهم مسؤولية ملقاة على كاهل الأسرة.

     كما أن الأجواء داخل الأسرة تلقي بظلالها على علاقات الأبناء في المدرسة إيجابا وسلبا، فالأسر التي تضطرب فيها العلاقات، وينعدم فيها الحوار، وينقطع فيها حبل التواصل، ويسود فيها القمع والتوتر والعنف والإهانة وغيرها من السلوكات غير الصحية لا تولد عند أبنائها إلا القيم السلبية والسالبة التي تتراكم في النفس بالتدرج حتى كأنها قنبلة موقوتة تنفجر بسهولة وبأدنى سبب، سواء داخل فضاء القسم أو خارجه.

* الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للأسرة: فالمشاكل بين الوالدين كالطلاق والفقر والبطالة والظلم الذي يولد الحقد الاجتماعي، مما يفضي بالتلميذ إلى التنفيس عن همه بهذه الطريقة التي ينتقم بها من كل من حوله، سواء بالعنف ضد الأستاذ أو الزملاء في الدراسة أو خارج المؤسسة، أو حتى ضد نفسه بالانحراف في أشكاله وصوره المختلفة… وإذا كان بعض الأساتذة يتجاهلون هذه الجوانب النفسية والاجتماعية للتلميذ فإن البعض الآخر يساهم في التخفيف منها باستماعه للتلميذ وتوجيهه بقدر ما تسمح به ظروفه.

4- أسباب تتعلق بوسائل الإعلام المختلفة:

     لعله من نافلة القول التأكيد على الدور الذي بات يلعبه الإعلام في حياتنا المعاصرة بكل أنواعه، خصوصا وأن التقدم التكنولوجي قد قرب البعيد وسهل تعامل الانسان- حتى غير المتعلم- مع هذه الوسائل حتى غزت أغلب البيوت في الحواضر والبوادي، وصارت حاكمة متحكمة تسرق الأوقات، وتشكل العقول، وتُبدِّل الأخلاق والقيم، وقد تفرق بين المرء وأهله، فأحالت بقوة تأثيرها البيوت إلى فضاءات خرساء فلا تسمع إلا همسا، ومن ثم تولت مهمة التربية عوض الأسرة… من هنا نستطيع أن نفهم حجم المصاعب التي أصبحت تواجه الأسرة والمدرسة معا في التربية والتوجيه أمام إعلام قوي جارف يوجه الأفراد والجماعات، ويتحكم في صنع أخطر القرارات ‼ في هذا السياق نقرأ تأثير المؤسسات الإعلامية في تشكيل صورة العلاقات الإنسانية عموما، ومنها علاقة التواصل بين التلميذ والأستاذ، ذلك أن ما تعرضه وسائل الإعلام المختلفة في كل وقت وحين – وبتقنياتها العالية والمغرية – من أفلام ومسلسلات وبرامج وثائقية وأخبار من هنا وهناك، كفيل بتغيير تمثلات التلميذ لأستاذه. فالتبخيس الإعلامي والواقع الاجتماعي لقيمة المدرس ومكانته كبير من خلال النكت المتداولة، وتصوير الوضع الاجتماعي للمدرس بطريقة انتقائية تعرض الجانب المثير أو تقع في التعميم الذي يخالف الواقع، كما لا ننسى التحريض المقصود الذي يجعل المعلم مادة للضحك والتفكه، وما مسرحية “مدرسة المشاغبين” إلا نموذج للإبداع المسرحي الموغل في التنقيص والحض من قيمة هذا الرمز ، حيث تصور هذه المسرحية التلاميذ في قمة الإبداع الذي يتخذ قلة الأدب وقلة الحياء سندا ومتكئا.

     بمثل هذا الصنيع المحكم يستطيع طوفان الإعلام الجارف تغيير مفهوم القدوة والمثل المحتذى عند الشباب، عندما يقدم أشكالا من القدوات أشد بريقا وإغراء، قوامها المال والغنى والشهرة والجاه، فيصبح التلاميذ – وهم جزء من المجتمع الذي يموج بهذه القيم المادية الضاغطة والمدمرة – زاهدين في العلم والمعلم لأن ثمار السائرين في هذا الطريق لا تغري، فهم يرون أحوال أهل العلم في زمن الهوان والتردي، ومن ثم فالطريق الأقصر لبلوغ المقصود في خلاف هذا الطريق الطويل ؟‼ ولأجل ذلك صار كلام الشاعر أحمد شوقي:

    قُـــــــــــم لِـــلــمُــعَــلِّــمِ وَفِّـــــــــــهِ الــتَــبــجــيــلا *** كــــــــادَ الــمُــعَــلِّــمُ أَن يَــــكــــونَ رَســـــــولا

    أَعَـلِـمـتَ أَشـــرَفَ أَو أَجَـــلَّ مِــنَ الَّــذي*** يَـــبـــنـــي وَيُـــنـــشِـــئُ أَنـــفُـــســـاً وَعُـــــقــــولا

    صار هذا الكلام الجميل – الذي طالما رددناه إشادة بفضل المعلم المربي، وعلقناه على جدران الفصل الدراسي – حبرا على ورق، وشعارا لا يترجمُ الواقعُ التعليميُّ حقيقتَه، بل أصبحنا نسمع من المستهترين من طبقات المجتمع المختلفة من يهزأ بقدر المعلم فيقول: ” كــــــــادَ الــمُــعَــلِّــمُ أَن يَــــكــــونَ غَسولاً13 “.

5- أسباب تتعلق بالدولة أو الوزارة المسؤولة:

     إن مسؤولية الدولة – ممثلة في الوزارة الوصية – في ما يتعلق بمكانة الأستاذ المادية والمعنوية مسؤولية كبيرة، وهذه المكانة مرتبطة بالرؤية والتصور لحقل التربية والتعليم ودوره في التنمية والتقدم، وبالتالي فالرؤية المؤطرة للسياسة التعليمية وما يتبعها من مخططات ومناهج وغيرها، وكيفية تدبيرها، كل ذلك من شأنه أن يفصح عن مقام المعلم في المنظومة التعليمية.

    وإن من الأسباب المؤثرة في نجاح العملية التعليمية والتي تقع المسؤولية فيها على وزارة التربية التعليم، الشروط والأجواء التي تتم فيها الممارسة التعليمية التعلمية في أبعادها المختلفة المادية والمعنوية ، فشعار الجودة الذي ترفعه الوزارة، وتجعله دعامة تستند إليها في خطابها التربوي من خلال المذكرات والتوجيهات الرسمية، شعار ضخم ومقصود عظيم، بل هو مرادف لمفهوم الإحسان في الشريعة الإسلامية، لكن المطالبة بتحقيق الجودة المطلوبة، والتي تعد أساس التنمية الشاملة، يستلزم شروطا واقعية تساعد الأستاذ – الطرف المباشر للعملية التعليمية- على تحقيق المطلوب في أعلى مستوياته، فسؤال الجودة في ظل واقع موسوم بالاضطراب والارتجالية والترقيع سؤال تعجيزي. إذ كيف تحقق الجودة المطلوبة في واقع تعليمي يعرف نقائص عميقة جدا: الاكتظاظ الكبير، ضعف البنية التحتية،خضوع نتائج النجاح والرسوب لعمليات تدبيرية حسابية تُغيَّب فيها الصورة الحقيقية لمستويات المتعلمين، فيكون للخارطة المدرسية الأثر السلبي المناقض لروح شعار الجودة، فكيف يتحقق هذا المطلب مع جيش من التلاميذ ينتقلون إلى المستويات العليا وهم لم يتمكنوا بعد من أبسط الكفايات الواجب تحصيلها في المستويات الدنيا، ومع ذلك ينجحون وينتقلون فيزداد الأمر تفاقما، والخرق اتساعا، ويُطالَب المدرس بعصاه السحرية أن يصنع المستحيل ويتدارك النقص الحاصل، وأن يتابع كل تلميذ على حدة ليصلح أعطابه الماضية، وأن يلتزم بالمنهجية المقررة وبالغلاف الزمنى المحدد. باختصار على المدرس أن يقلب العصا إلى ثعبان، وأن يحقق غاية الإحسان، كل ذلك في نفس الآن، وإن كان يعيش النكران في زمن النسيان، فمن يفكر في الظروف الاجتماعية للأستاذ المربي (ماديا وصحيا: عضويا ونفسيا…)، ومن يرفع عنه الشعور بالظلم والغبن لأسباب عديدة، منها غياب العدل والتكافؤ حتى بين الأساتذة أنفسهم بسبب غياب الضمير وتراجع القيم؟ إنها الدولة التي يشتغل في ظلها، وينفذ مخططاتها وسياستها التربوية، وهي أول من يجب عليها التفكير في ظروف الأستاذ وأحواله، وإن أي عملية تقويم لوضع ما، لا تكون منصفة ولا عادلة ما لم تستحضر كل الشروط والملابسات ليكون التقويم عادلا في ظلها، فتكون عندئذ واقعية.

6- أسباب تتعلق بمؤسسات المجتمع المدني:

     إن ما نسميه بمؤسسات المجتمع المدني تتحمل بدورها مسؤولية كبيرة في هذا التدني، وذلك بعدم تقصيرها في التأطير والتوعية والتثقيف من خلال احتضان فئة الشباب، وبذل الجهد المطلوب والوازن في جلب اهتمامهم وتوجيه طاقاتهم للنافع والمفيد، والتشجيع على التنافس الشريف في مجالات الخير والإصلاح، ومساعدة الشباب على تطوير خبراتهم وصقل مهاراتهم وغرس قناعات إيجابية بانية عندهم، بقصد تربيتهم على المسؤولية والأمانة والتكافل وبذل الخير للغير وتقدير قيمة الوقت، و احترام المعلم وفاء وإكراما لمقامه، وتغذية كيان التلميذ من جميع جوانبه: بدنيا بممارسة الرياضة وكل ما يحفظ توازنه ويقيه من الأمراض والآفات المدمرة14، وفكريا بالاجتهاد في طلب العلم، فالجهل داء عضال وسبب لكل البلايا، ونفسيا بإشباعه بالقيم الإيجابية. فإحسان العلاقات عموديا مع الخالق عز وجل وأفقيا مع سائر المخلوقات والبيئة المحيطة كلها، كفيل بإخراج جيل مسؤول وفاعل وأمين، وهذه أمور تدخل في إطار المسؤولية المشتركة لمؤسسات المجتمع على اختلاف ألوانها ومشاربها.

     وخلاصة القول: إن ما ذكرناه من الأسباب وغيرها مما لم يذكر، يؤكد خطورة الوضع الذي تعيشه منظومتنا التربوية – والتي يعتبر المجتمع صدى لمخرجاتها – ويطرح السؤال من جديد حول السياسات التعليمية في بلدنا الإسلامي، ومدى ملاءمتها لمقاصد الإسلام في التربية، وروح الدستور، وصدقها في بلوغ المأمول.

     إن كل مظاهر العنف والانحراف التي نراها في واقع المسلمين اليوم هي في حقيقتها أثر للعنف الحاصل ضد قيم الاسلام، التي تدعو إلى الحب والسلام والاحترام والعمل الصالح… وتنبذ العنف والإرهاب والتطرف بكل أشكاله، لكن الغربة عن هذا الأصل الأصيل، والمصدر الرباني العظيم، هو ما أوقعنا أفرادا وجماعات في هذا الخلط والتخبط فلم تعد الرؤية واضحة، فكانت هذه الفوضى وهذا الارتجال، الذي جر علينا الويلات والمصائب وما يزال، حتى صرنا في الذيل، وأصبحنا كسالى العالم، ليس لقلة الإمكانيات15، ولا لعقم في العقول المبدعة16، ولكن بسبب علمنة التعليم وتغريبه وفصل التربية عن التعليم، وتهميش التربية الإسلامية في المنظومات التعليمية في العالم الإسلامي مع أن نفعها يعود على الجميع بالخير العميم لما لها من أثر بالغ في تخليق هذه الممارسة التربوية وترشيد مسارها. لذلك خسرت البلدان الإسلامية الكثير والكثير عندما قلبت الموازين وأعلت من شأن الآخر، وجعلت ثقافته ولغته طاغية، ومكنت لها في قلب المنظومة التربوية بشتى الطرق (عدد ساعات الدراسة، المعامل، …) على حساب اللغة الأم التي يتم تهميشها والحط من قيمتها، وأنها لم تعد لغة العصر التي تواكب حركته السريعة، وأن آفاقها محدودة ضيقة لا تساير وثيرة البحث العلمي ولا متطلبات سوق الشغل ؟‼، أضف إلى ذلك، تهميش التربية الإسلامية ومحاولة التحريض ضدها وضد مدرسيها، ونعت مناهجها بأقدح النعوت، فهي السبب الأساس في تفريخ العنف والإرهاب – كما يزعمون – والغريب أن مقدمات الكتب المدرسية والأطر المرجعية تنص على أن العقيدة الإسلامية والأخلاق أصل أصيل في منظومتنا، إلا أن الذي خبر الأمور بعمق يدرك البون الشاسع بين الدعوى والواقع الفعلي، الذي يؤكد بالملموس أن الاهتمام بهذه المادة باهت خافت، وأن حضورها في المخططات محتشم الظهور لصالح قيم الغرب ولغته بتجلياتها المختلفة تحت غطاء التطور وستار الانفتاح؟‼ ونظرة بسيطة للغلاف الزمني للمادة الدينية مقارنة مع اللغة الفرنسية مثلاً تؤكد هذا التوجه، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله-: “ومن أشكال علمنة التعليم17 في دول العالم الثالث، أن المدرس الذى ينقل إلى الطالب ذاكرة المجتمع التاريخية وقيمه وتراثه، يصبح موضع سخرية، ثم موضع عداء ورفض، وداخل وظيفة التدريس نفسها، يفقد أستاذ اللغة القومية مكانته ويكتسب أستاذ “اللغات الأجنبية” مكانة عالية، لأنه يملك مفتاح دخول الحضارة الغازية الأقوى”.

     وفي ذات السياق أكد الدكتور المهدي المنجرة – في احدى محاضراته بإحدى الجامعات – على قضية أساسية في البناء الحضاري، وهي أن بناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء، حيث أدرج في معرض حديثه نموذجا حيا عضد به كلامه، حيث قال: “عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، ولكن ! …خلال المائة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات! وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه..!بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب.  لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس..! فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء، وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم، يقول أحد المستشرقين: إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فهناك وسائل ثلاث هي:

1) اهدم الأسرة

 2) اهدم التعليم

3) اسقط القدوات والمرجعيات.
لكي تهدم اﻷسرة: عليك بتغييب دور (اﻷم) اجعلها تخجل من وصفها ب”ربة بيت”
ولكي تهدم التعليم: عليك ب(المعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه.
ولكي تسقط القدوات عليك ب (العلماء) اطعن فيهم، شكك فيهم، قلل من شأنهم، حتى لا يسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد. فإذا اختفت (اﻷم الواعية) واختفى (المعلم المخلص) وسقطت (القدوة والمرجعية) فمن يربي النشء على القيم؟؟؟18

الهوامش

1 – العنف هو كل سلوك عدواني يفضي إلى إلحاق الضرر والأذى بالآخرين، فهو تفريغ لا شعوري لطاقة مكبوتة تتخذ أشكالا وصورا كثيرة قد تكون جسدية أو عنفا لفظيا، أو عنفا نفسيا…ولها أسبابها المولدة لها.
2– تقارير حول أحداث العنف المتبادل بين الأستاذ والتلميذ، أو ضد الأسرة التعليمية عموما: أنظر “إشكالية العنف المدرسي في علاقتها بمنظومة العنف في المجتمع وبواقع التعليم: ذ عبد الجليل باحدو، سلسلة “التضامن الجامعي المغربي” تحت شعار: من أجل شرف المهنة وكرامة أسرة التعليم . أنظر الروابط: http://www.sum.ma/probleme_de_la_violence_a_l_ecole.htmlوايضا: http://www.hespress.com/societe/90721.html و تقرير لوزارة التربية الوطنية يكشف عن حالات العنف داخل وخارج محيط المؤسسات التعليمية بالمغرب، http://alifpost.com
3 – ” التعليم عن طريق التلقين وسيلة للقمع”للدكتور مازن الحلبي، نقلا عن مقال على الانترنيت: “العلاقة بين المدرس والطالب: الواقع والطموح ” لواثق غازي، ص 6.
4– هذا اللقب الشريف أصبح اليوم وللأسف الشديد أضحوكة بين الناس ومادة للتفكه والتسلية لما آل إليه وضح المعلم في عصرنا ؟‼
5– رواه مسلم: باب بَيَانِ أَنَّ تَخْيِيرَ امْرَأَتِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، حديث رقم: 2703.
6– رواه الترمذي في بَاب: مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْفِقْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
7 – ترتيب المدارك وتقريب المسالك: ص 385
8 – رواه ابن ماجه في سننه، بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ.
9 – ونحيل في هذا الصدد على الأسوة الحسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مواقفه الحكيمة في التربية والتعليم، حيث كان عليه الصلاة والسلام يكسب القلوب ويجذبها إليه بحسن المعاملة، واحترام مشاعر المتعلم وإن كان مخطئا، حيث يتوجه النبي صلى الله عليه وسلم للخطأ بقصد إصلاحه، وليس للمخطئ لإحراجه، ومن الأمثلة على ذلك: موقفه عليه الصلاة والسلام مع الأعرابي الذي تبول في المسجد [مسند الإمام أحمد، حديث رقم6957، شرح السنة للبغوي، باب البول يصيب الأرض]، وموقفه أيضا مع الشاب الذي طلب الرخصة في الزنا [شعب الإيمان للبيهقي، حديث رقم 5415]. وغيرهما من المواقف الحكيمة التي يمكن تعلمها من المدرسة المحمدية.
10 – صحيح مسلم، باب تحريم الظلم، رقم الحديث، 4674.
11 – نقصد بالانفصال: الزهد في القيم الأصيلة وفقدان الذاكرة التي تختزن التاريخ والأخلاق وكل المميزات الحضارية للأمة التي ننتمي إليها.
12 – ونقصد بالاتصال هنا: الذوبان في ثقافة الآخر وفقدان الهوية الاصلية، بحيث يصير المغلوب رجع الصدى لثقافة الغالب.
13 – والغاسول: هو طين معدني, يستعمل عادة للعناية بفروة الشعر و الجسم ، حيث يمكن استعماله لوحده أو خلطه ببعض الزيوت الأساسية أو خلطه بماء الورد لتعطيره … وإن كان من أدوار المعلم المربي العناية بالعقول والحفاظ عليها وحمايتها من الأفكار القبيحة وتنقية النفوس من الأخلاق الرديئة، فإن السياق الذي توظف فيه هذه المفردة للأسف هو سياق تهكم وتنقيص؟‼
14 – كالتدخين والمخدرات والزنا وغيرها من الانحرافات التي انتشرت بصورة مخيفة داخل وخارج الفضاءات التعليمية مما يؤكد درجة الغزو الثقافي والتربوي الغربي لأفكار المسلمين.
15 – والذي يدل على ذلك حجم الأموال التي صرفت في مخططات لم تحقق خيرا، ومجهودات لم تثمر ما ينفع.
16 – والذي يتابع ما يقع في العالم يدرك أن أبناء هذا البلد نجباء أذكياء عندما تعطاهم الفرصة وتوفر لهم الظروف المناسبة يحققون الأعمال العظيمة، وللأسف هذا الذي يفقدونه في بلدهم، توفره لهم دول غربية فيبدعون ويتألقون لكن لصالحها… والأمثلة كثيرة في هذا السياق.
17– علمنة التعليم: وتتمثل في تضييق مجال التعليم الديني وتمييعه، وتسهيل الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم
18 – في اطار سلسلة ” قالها المنجرة يوما “: عبد العزيز التقي العلوي – صفرو بريس.
Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons