قراءة في كتاب

تفعيل التعلم الذاتي في طريقة التدريس
للدكتور إسماعيل أمزاورو

hamid

قراءة د. حميد عنبوري

يسرنا أن نقدم بين يدي القراء الكرام عموما والمهتمين بالحقل التربوي على وجه الخصوص كتابا تحت عنوان: ” تفعيل التعلم الذاتي في طريقة التدريس ” للدكتور إسماعيل امزاورو ضمن عمود ” قراءة في كتاب ” الذي نرجو أن يعم نفعه.

والكتاب الذي نقرؤه اليوم يقع في ثلاثين ومائة (130) صفحة من الحجم الصغير يحتوي مقدمة وفصلين.

ولا شك أن الموضوع له أهمية بالغة في حياة المتعلم إذ إن الاعتماد على النفس بعد اكتساب حزمة من المهارات، من شأنه أن يصقل مواهب كامنة عند كل متعلم. وإذا كنا نتحدث عن المعلم أو الأستاذ الكفء بما يملكه من كفاءة ودربة، فيمكن أيضا أن نتحدث عن المتعلم الناجح باكتسابه لمهارة التعلم الذاتي وبين المعلم (يقصد المؤلف بالمعلم أي المدرس في أي مرحلة من مراحل التعليم كان) بخبرته وكفاءته والمتعلم باكتسابه لهذه المهارة تزدهر العملية التعليمية التعلمية، فتحيى النفوس بالعلم، وتتطور المنظومة فيتقدم الوطن.

في مقدمة الكتاب يقترح المؤلف هذا الموضوع على المهتمين وعلى الآباء والأمهات لترسيخه في نفوس أبنائنا وبناتنا، ويعلل سبب اقتراحه والحاجة إليه بما أسماه: “ثقافة الانتظار والاعتماد على الغير والتواكل والميل للراحة من الراحة، والاحتيال والغش” ص 5.

وهذه آفات طبع بها مجموعة كبيرة من جيل المتعلمين اليوم – للأسف الشديد- إلا من رحم ربك وقليل ما هم. وهذه الظواهر السلبية التي تجعل من المتعلم وعاء جامدا، وتفقده حاسة الملاحظة والنقد، ربما أسهم فيها المعلم نفسه من حيث يدري ومن حيث لا يدري “لأجل ذلك – يقول المؤلف- فإنني سأبدأ من المدرسة لأنتقد ظاهرة حاضرة يشتكى منها في التعليم هي غلبة الإلقاء والتلقين والإملاء في طريقة التدريس”. ص 6

ويسترشد المؤلف في مقدمته بما جاء في خطاب ملكي موجه: “يجب أن تهدف (يعني المنظومة التعليمية) إلى تمكين الشباب من تطوير ملكاتهم واستثمار طاقاتهم الإبداعية وتنمية شخصيتهم.. ينبغي إعادة النظر في مقاربتنا وفي الطرق المتبعة في المدرسة للانتقال من منطق تربوي يرتكز على المدرس وأدائه مقتصرا على تلقين المعارف للمتعلمين إلى منطق آخر يقوم على تفاعل هؤلاء المتعلمين وتنمية قدراتهم الذاتية، وإتاحة الفرص أمامهم في الإبداع والابتكار، فضلا عن تمكينهم من اكتساب المهارات” ص 6.

والاقتصار على تلقين المعارف للمتعلم يقتل فيه حاسة الإبداع والابتكار، لأنه يترك له فعل المبادرة، مما يجعل أفكار المتعلم تترسب شيئا فشيئا لتتحول إلى كومة من تراب، وبمرور الأيام والأسابيع والشهور والسنوات قد تصبح حجرا جامدا. وذلك واضح مع فئة ألفت التلقين لسنوات، فإذا أعطيت الفرصة لا تستطيع الحركة خطوة واحدة.

imageوللإنصاف فإن هذا الجمود الناتج عن طريقة سلبية في التدريس لا يتحمل المسؤولية فيها المعلمون وحدهم وإن كانوا هم قطب الرحى، وإنما هناك عوامل أخرى. وللمعلمين دوافعهم ومبرراتهم “فمنهم من يظن أن المشكل لابد له من حل شمولي لا تنفع معه أي مبادرة فردية خاصة، ومنهم من ينتظر الحل الذي ستنزله الوزارة بعد استشارة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ( المجلس الأعلى للتعليم سابقا)، ومنهم من يطلب السلامة من الأذى الذي قد يتعرض له المجدد، ومنهم من يطلب الأمان والراحة بلزوم ما اعتاده، فيقتصر على إلقاء الدرس سواء تفاعل معه التلاميذ أم لم يتفاعلوا، سواء تحسن مستواهم أم لم يتحسن، ومنهم من يغلب عليه هاجس الامتحانات الإشهادية الذي يضغط في اتجاه جعل إنهاء الدروس المقررة في الوقت أولى من أي شيء آخر…، ولكل عذره ومبرره، مع كامل الاحترام والتقدير” ص 9.

والكتاب الذي نقدمه اليوم بفصليه هو عبارة عن تجربة شخصية للمؤلف أسهم بها ضمن من شاركوا ويشاركون في هذا الإصلاح.

يقول المؤلف عن هذا الكتاب: ” آمل به أن أكون مجرد مشارك في تحريك الفكر التجديدي الاقتراحي النابع من التجربة الفصلية الميدانية، عسى أن تجود قريحة غيري بأحسن مما تقدمت به ” ص13.

تفعيل الرغبة في التعلم وإعداد التلميذ للدرس:

هذا الفصل يتميز بالعموم، أي أن عناصره صالحة للتكيف مع جل المواد الدراسية، فهو في نظري يمكن أن يشمل باقي المواد مع التحفظ في بعض عناصره.

يبدأ المؤلف في التمهيد لهذا الفصل بكلام عن نتائج ضعف الرغبة في التعلم “وهو نتيجة لتخلف الأمة عن ركب الحضارة، وأثر من آثار انحطاطها، وهو سبب لاستمرار بنية التخلف وإعادة إنتاجه” ص 17.

ولا شك أن هذه النتائج خطيرة للغاية، فيها من الاستفزاز والتحفيز في آن واحد ما يجعل الغيورين على مستقبل الناشئة والوطن والأمة يهرولون نحو الإصلاح المنشود.

والقضية ليست مختزلة في الميزانية المرصودة للتعليم على أهميتها، يقول المؤلف: “مهما أنفقنا على التعليم ومهما زدنا في ميزانيته، فلن ننهض به ما لم نحي الرغبة في التعلم في نفوس الناشئة بشتى الوسائل الممكنة” ص 17.

فالموارد المالية هامة بلا شك، لكنها لا تجدي شيئا في غياب وإهمال العنصر البشري، والدليل على ذلك أن الميزانية التي ترصد للتعليم في بعض الحملات أضعافا مضاعفة لما يوجد في بعض الدول الضعيفة اقتصاديا والمنهوكة حربيا. ومع ذلك تصنف أحسن وأفضل، والسر بلا منازع في الوصفة السحرية العجيبة: الرغبة في التعلم الذاتي.

وقد ضرب المؤلف مثلا من سيرة وسنة النبي عليه الصلاة والسلام بحديث المسيء صلاته المشهور الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم (… والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا علمني). وتتمة الحديث معروفة فالنبي صلى الله عليه وسلم علمه كيفية الصلاة.

ثم تساءل المؤلف بعد ذلك عن أسباب ضعف الرغبة في التحصيل الدراسي والتنافس على المراتب الأولى في الفصل وعن النتائج والحلول.

بدأ بالأسباب وذكر منها:

عدم تفعيل التوجيه نحو مواهب التلميذ وقدراته الحقيقية من المستوى الابتدائي.

غلبة الإصلاح الترقيعي على الإصلاح الجذري المتدرج.

عدم السعي المبكر لاكتشاف حالات التعثر الدراسي.

عدم توسيع آفاق الأمل في الشغل.

التقويم المجحف لأعمال التلاميذ.

ضعف ثقافة القراءة .

عدم موافقة المناهج الدراسية لحاجيات التلميذ الأساسية وقدرته الاستيعابية.

ضعف معامل بعض المواد مثل مادة التربية الإسلامية وحيزها الزمني.

وانتقل المؤلف بعد ذلك إلى النتائج فذكر منها:

تنامي ظاهرة ممارسة التلميذ للعنف ضد ذاته.

تنامي ظاهرة ممارسة العنف ضد الغير.

تنامي ظاهرة الرسوب والتكرار والاستعطاف.

تنامي ظاهرة الغش وتكوين عصابة شغب داخل الفصل.

تنامي ظاهرة ضعف المستوى المعرفي والمهاري والقيمي.

تنامي ظاهرة التحرش الجنسي ضد الفتيات.

تنامي ظاهرة هدر الشباب للوقت.

عدم الإعداد القبلي للدرس.

تنامي ظاهرة غياب بعض التلاميذ عن حصص الدروس.

             ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للحلول والبدائل، ويبادر المؤلف إلى القول بأن: (بعض الحلول المقترحة قد تبدو غريبة عن الممارسة التربوية الصفية المعتادة ) ص 23.

لذلك لابد من حصول قناعة (بضرورة إطلاق روح المبادرة لتجريب حلول وطرائق أخرى جديدة في التدريس ) ص24. فالنفس مجبولة على حب المألوف والمعتاد، ويصعب تجريب الجديد، وإنما هو صبر للحظة أو لحظات للتمرين والتدريب والتعود على الجديد، وحسبنا التصوير الرائع لشاعر المديح النبوي الإمام البوصيري:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم.

ومن الحلول الجذرية المقترحة:

عدم خلط الراغبين في التعلم بغيرهم.

تفعيل واجبات التلميذ.

الإنفاق بسخاء وكرم على المكتبات العامة والمدرسية.

الإنفاق بكرم من أجل حسن تجهيز قاعة الوسائط المعلوماتية، وتجهيز قاعات خاصة للمطالعة وإلزام التلاميذ بعقد جلسة لقراءة كتاب معين، وتلخيصه ثم مناقشته.

مساهمة الأساتذة والتلاميذ، ثم جمعيات المجتمع المدني في نشر ثقافة القراءة.

انفتاح المؤلفين للكتب المدرسية وغيرها من الكتب أو الرسائل الموجهة للشباب على المواضيع التي تدخل في صلب اهتمام الشباب ومشاكلهم وآمالهم وآلامهم.

ترغيب التلميذ في فضل العلم وتعريفه بآداب طلب العلم ومنهجه وقانونه.

ترغيب التلميذ في القراءة بالتدرج.

التحفيز المكافآت والجوائز.

تحفيز التنويع والاختيار.

تحفيز إثارة التنافس.

تحفيز الترقية في المراتب والألقاب.

تحفيز تيسير الصعب بتدرج.

تحفيز السماع في المراجعة.

تحفيز السماع والتقليد.

تحفيز الاعتبار بالنفس أو بالغير.

تحفيز إثبات الذات.

فهذه حلول ومحفزات لها من النجاعة ما قد يحفز التلميذ على التعلم الذاتي، ثم ينتقل إلى حلول ومقترحات مؤقتة ومن أهمها : مطالبة التلميذ بالإعداد القبلي المنزلي للدرس بجدية ونزاهة. (لأن إعداد التلميذ للدرس هو بداية الطريق للتعلم الذاتي للتلميذ الذي هو بدوره أهم أسباب جودة التعلمات، والنهوض بتحسين مخرجات المدرسة المغربية) ص44.

ومن الوسائل المعينة على هذا المقترح:

ترغيب التلاميذ في الانخراط في المكتبات العامة وارتيادها.

تدريبهم على البحث في القاموس عن الكلمات الصعبة في الدرس.

تدريبهم على البحث عن تفسير الأيات المستدل بها في الدرس.

إحالتهم على مواقع ومكتبات إلكترونية جامعة…

تفعيل تدريس المهارات:

ثم انتقل المؤلف إلى الحديث عن المهارات، وعلى الرغم من أن محتوى هذا الفصل الثاني عبارة عن تقنيات ووسائل،

إلا أنه ينطبق عليه القاعدة الأصولية: “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”. ومن شأن الإلمام بهذه المهارات أن تحقق المقصد الأسمى الذي هو التعلم الذاتي، وسنلاحظ من خلال مجموعة من المهارات سطرها المؤلف، كيف يمكن أن تكون محفزا على التعلم الذاتي في مادة التربية الإسلامية على الأقل، وهذه المهارات هي:

مهارة استخراج مضمون النص الشرعي، اﻵية أو الحديث:

حيث يذكر قواعد هذه المهارة وأمثلة لاستخراج المضمون مع التنبيه على الأخطاء في استخراجه.

واكتساب هذه المهارة من شأنه أن يحفز المتعلم على التعامل مع النص الشرعي، وقد يجد حلاوة ولذة ومتعة في اكتشاف أسرار الوحي بالمواظبة، مما يحبب إليه التعامل مع القرآن والسنة، وربما كانت هذه الخطوة الأولى نحو التفسير وفقه الحديث في مستقبل المتعلم وما ذلك على الله بعزيز.

مهارة استخراج العبر من السنة النبوية:

ومعلوم أن السيرة النبوية هي المصدر العملي التطبيقي لما جاء في القرآن والسنة، وتعتبر السيرة النبوية هدية ثمينة بالنسبة لمسلك العلوم الإنسانية، وإذا استطاع المتعلم أن يستخرج العبرة من الحدث فذلك فوز عظيم، إذ أن قراءة الحدث مجردا كأحداث القصة أو الرواية لا يجدي نفعا في السيرة النبوية. وقد ذكر المؤلف مراحل التمرن على مهارة استخراج العبرة من حدث السيرة النبوية.

مهارة الرد على الشبهات:

وهذه المهارة على الرغم من أهميتها ربما لو تم إرجاؤها والاشتغال بها إلى المرحلة الطلابية في التعليم العالي لكان أفضل لأن هذه المهارة لا تناسب المرحلة العمرية في التعليم التأهيلي المقصود للدراسة وقد يساء استعمالها.

مهارة استخراج الفكرة الأساسية في نص الوضعية:

وهذه المهارة ليست خاصة بمادة التربية الإسلامية فهي قاسم مشترك بين النصوص عموما، ولها أهميتها في النصوص المساعدة والداعمة التي نطق بها أئمة أعلام أسهموا بها في الفكر الإنساني عموما والفكر الإسلامي على وجه الخصوص، هذه المهارة لها تقنياتها التي يجب اكتسابها، وأخطاؤها التي يجب تفاديها.

مهارة استخراج الأفكار الجزئية لفقرات النص الوضعي

وهي تشبه المهارة السابقة.

مهارة التعريف الاصطلاحي:

وهي مهارة دقيقة للغاية تتميز بالدقة في اختيار اللفاظ الجامعة المانعة ولها قواعدها.

مهارة استخراج عنوان النص:

اكتساب هذه المهارة يدل على تمكن التلميذ من القراءة الشاملة المتأنية، وهي مهارة ليست باليسيرة، لأن اختيار العنوان الصحيح يدل على تمكن التلميذ المتعلم من استيعاب موضوع النص، ونستطيع القول أن هذه المهارة لا يحسنها إلا فرسان متمرنون.

مهارة حل وضعية مشكلة واقعية:

والغرض من هذه المهارة كما يقول المؤلف: ” تدريب التلميذ على مواجهة صعاب الحياة، والتمرن على حل المشاكل العارضة في حياته العامة، وحياته المهنية، وما شاكل ذلك” ص 91.

فكل هذه المهارات إذن حافز على التعلم الذاتي، فهي: ” أقرب وسيلة لتحقيق التعلم الذاتي ” ص 120.

خاتمة :

وأختم بما بدأ به المؤلف فصله الأول بقوله: “ضعف الرغبة في التعلم أو عدمها في نفوس كثير من التلاميذ هو أعظم المشكلات التعليمية والتربوية، وأشدها خطرا على المجتمع ونمائه وتطوره، وهو نتيجة لتخلف الأمة عن ركب الحضارة، وأثر من آثار انحطاطها، وهو سبب لاستمرار بنية التخلف وإعادة إنتاجه، لذا وجب إيلاء هذا الموضوع ما يستحقه من عناية، وفتحه للنقاش العمومي أو لمناظرة وطنية، حتى يساهم كل من موقعه في بناء مجتمع المعرفة والثقافة والقيم” ص 17.

ولا شك أن هذا الهدف الأسمى الذي هو بناء مجتمع المعرفة والثقافة والقيم هو طموح كل غيور على هذا البلد الآمن المستقر.

وأقول في ختام هذه القراءة لهذا المؤلف، إن ارتفاع نسبة التعلم الذاتي في صفوف أبنائنا وبناتنا دليل على وعي الأمة، وحين يتحول عدد رواد المقاهي وأماكن أخرى إلى رواد المكتبات العمومية، وحين يتحول فعل القراءة والكتابة إلى هم يومي، نكون قد وضعنا القطار في سكته، واتجهنا نحو الهدف المنشود، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons