تربيتنا الحديثة

بناء الشخصية الإيمانية للطفل

IMG-20160620-WA0001

الأستاذ: محمد أوضبجي

 

تتميز الطفولة البشرية بالمرونة والصفاء والفطرية والتأثر الوجداني، وهي تمتد زمنا طويلا يتاح فيه للمربي غرس ما يريد وتشكيل الشخصية التي يريد من هنا يبدأ بناء الشخصية الإسلامية المؤمنة القوية ذات الأثر الفعال والإيجابي في الأمة، فينشأ جيل يوطن نفسه على الإيمان والأخلاق، لا جيل الغثائية والإمعية.

إن الأساس المتين والركن الركين الذي يبنى عليه هذا الصرح العظيم هو الإيمان الصحيح والعقيدة الراسخة، والمقصود بالإيمان والعقيدة ربط الولد بأصول الإيمان، وتعويده على أركان الإسلام وتعاليمه من حين تمييزه مبادئ الشريعة الغراء. “إن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه قد اهتم بتلقين الولد منذ نشأته أصول الإيمان وأركان الإسلام وأحكام الشريعة، وتأديبه على حب الرسول صلى الله عليه وسلم وحب آل بيته وحب الأصحاب وتلاوة القرآن الكريم… حتى يتربى الولد على الإيمان الصحيح، والعقيدة الراسخة”.1

روى البخاري في “الأدب المفرد” عن معاذ رضي الله عنه قال: “أو صاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات: لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية حل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس. وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله”2.

وإن المتأمل في هذا الحديث يجد أن بناء شخصية الطفل الإيمانية يكون بالعمل على خطين أساسين وهما: التربية العقدية والتربية العبادية.

أولا: التربية العقدية أسسها ومرتكزاتها:

إسماع الفطرة

من أهم واجبات المربي حماية الفطرة من الانحراف وصيانة العقيدة السليمة من كل ما يعكس صفاءها. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ3 والمقصود بالفطرة، العقيدة السليمة ،عقيدة القرآن، عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله. ولعل من أساسيات التربية في الإسلام غرس التوحيد الخالص لله تعالى ونفي الشرك عنه بكافة مظاهره وأنواعه، فمن وقع في الشرك أو في شيء منه فقد وقع في الظلم: ظلم لحقوق الخالق سبحانه، وظلم للنفس، وظلم للمخلوقات بالنظر إليها نظرة غير حقيقية.

وإذا تأملنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وجدناها حافلة بتعويد الأطفال على تعاليم الإسلام، وبتعليمهم التوحيد الخالص لله عز وجل، فكان من ثمراته بناء جيل منزه عن الشرك بالله وعبادة الأصنام منذ نعومة أظافره، من أمثال علي بن أبي طالب الذي آمن بدعوة الإسلام ولما يتجاوز سن العاشرة، وعبد الله بن عباس حبر الأمة وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك خادم رسول الله، وغيرهم كثير من الصحابة والتابعين.

كان صلى الله عليه وسلم يأمر بتلقين الولد كلمة التوحيد لإسماع فطرته منذ الولادة. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” افْتَحُوا عَلَى صِبْيَانِكُمْ أَوَّلَ كَلِمَةٌ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ4، كما كان صلى الله عليه وسلم يأمر كل من ولد له مولود جديد بالتأذين له في الأذن اليمنى والإقامة في اليسرى. والسر في ذلك كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:” أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلمات النداء العلوي المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكر وصول أثر الأذان إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر”5

وقد كان صلى الله عليه وسلم حتى في زيارته للأطفال المرضى يدعوهم إلى عقيدة لا إله إلا الله، روى الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له جار يهودي لا بأس في خلقه، فمرض ولده فعاده رسول الله بأصحابه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فنظر إلى أبيه فسكت أبوه وسكت الفتى. ثم في الثانية ثم الثالثة: فقال أبوه في الثالثة: قل ما قال لك، ففعل. فمات. فأرادت اليهود أن تليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أولى به منكم. فغسله رسول الله وكفنه، وحنطه وصلى عليه.”6

إن كل مرب لا بد أن يكون واعيا بواجبه في تأسيس الإيمان عند الطفل، وتجنيبه كل مظاهر العقائد الشركية وباطنها، فعن عقبة بن عامر قال:” موضع التميمة من الإنسان والطفل شرك”7، وأن يبدأ في ترسيخ عقيدة الخضوع لله وحده منذ سن مبكرة، وهو ما يشهد له ما رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الكريم بن أمية الذي قال:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع مرات: وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا8.

كما أنه كان من هدي أصحابه، وخصوصا الأمهات منهم، الحرص على تلقين أطفالهم كل ما من شأنه ترسيخ الإيمان بالله تعالى وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه أم سليم الرميساء أم أنس ابن مالك رضي الله عنهم أجمعين أسلمت وكان أنس صغيرا لم يفطم بعد فجعلت تلقنه: قل لا إله إلا الله ففعل”9. والفطام كما هو معلوم يكون بعد السنتين، لمن أراد أن يتم الرضاعة، والرميساء لقنت ابنها الشهادتين قبل بلوغه سنتين.

والأطفال عادة يفصحون في كلامهم بين السنتين والثلاث، يقول ابن القيم:” فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله وتوحيده وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم، ويسمع كلامهم وهو معهم أينما كانوا”10.

وإذا تأملنا آيات القرآن الكريم وجدنا أن الحكماء والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام كانوا يهتمون اهتماما كثيرا بسلامة عقيدة أبنائهم، يتجلى ذلك في وصاياهم المتكررة لأبنائهم الحاثة لهم على توحيد العبودية لله وإفراده بالخضوع. من ذلك وصية لقمان الحكيم لابنه تلك الوصية الخالدة التي حكاها القرآن والتي استهلها بتوجيه إلى اجتناب الشرك” وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ” (لقمان12) ومن ذلك أيضا وصية سيدنا إبراهيم لبنيه، قال تعالى:” وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ” (البقرة 132). “أمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ“(البقرة 133).

وقصارى القول أن “هذه النفوس الطرية لا يتركها الإسلام لهوس السؤال: من أنا، ومن أين جئت وإلى أين، وما معنى وجودي؟ بل تحتضنها الفطرة وهي إقامة الوجه لله، إذا كان المجتمع مؤمنا بالله وتصونها من عوامل الشيطنة والفساد. تلقن النفوس الطرية، تخبر لتسمع، تؤمر لتنفذ، تعرض عليها النماذج الصالحة لتتعلق وتتخلق قبل أن يتشكل العقل المنطقي بحواسه السابح في ظلمائه الكونية”11.

وإنه على المربي أن يعمل على أن لا تبقى العقيدة مجرد أفكار ومعان يشحن بها عقل الطفل وقلبه، بل لا بد من ربطها بالأمور العملية، أي ربطها بالعبادات المشروعة وبالفضائل الخلقية.

محبة الله ورسوله هي العروة الوثقى

إن محبة الله ورسوله هي الحصن الحصين والضمان المتين الذي يعصم الطفل من الانحراف في مستقبل الأيام وفي خضم الحياة التي تعج بالفتن والشهوات، فإذا ما نشأ على حب الله تعالى ورسوله لا يمكن أن ينكص على عقبيه، قال تعالى:” ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ “(المائدة 52)

وأول صحبة يعرفها الطفل هم والداه فكان لزاما عليهما ألا يتركا فرصة إلا وقد زودوا الولد بجرعات المحبة فيدرك الولد أن الله يحب ويحب وأنه سبحانه وتعالى:” يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” (البقرة222) ، حتى إذا ما أصبح في سن التمييز حرص على إتباع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه هو باب الله تعالى وأن اتباعه سبيل لبلوغ محبة الله.، قال تعالى:” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ “(آل عمران31).

والحكمة تقتضي أن لا يذكر المربي اسم الله تعالى إلا في المواقف المفرحة فيصفه بصفات الجمال بأنه حليم غفور رحيم ودود لطيف… يحب الخير لعباده، فلا يكون التخويف من عقابه وعذابه إلا لماما من باب معادلة الكفة فيطير الولد في فضاء الإيمان إلى محبة الله بجناحي الخوف والرجاء. على أن خوف المؤمن من ربه هو خوف من الرحمان الرحيم فهو خوف يسكن الأمل في رحمة الله ويغشاه طمع المحب في كرم محبوبه.

ثم إن على المربي أن يغرس في روح الطفل مراقبة الله سبحانه وتعالى في كل تصرفاته وأحواله، وهذه هي أسمى تجليات محبة الله تعالى ومهابته،” وذلك بترويض الولد على أنه سبحانه يراقبه ويراه ويعلم سره ونجواه ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور… وليتعلم الإخلاص لله رب العالمين في كل أقواله وأعماله وسائر تصرفاته ولكي يقصد وجه الله تعالى في كل عمل يسبقه فيه، وعندئذ يتحقق بالعبودية الخالصة لله تعالى ويكون ممن شملهم القرآن بقوله: ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ(البينة:5)”12

لقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يسخر كل الفرص السانحة لتعليم الأطفال عقيدة ألا يسأل العبد إلا الله ولا يستعين إلا به عقيدة أن لا ضار ولا نافع إلا الله، وذلك باستعمال كلمات سهلة واضحة لا تعقيد فيها ولا التواء، وتشهد بذلك وصيته لابن عباس رضي الله عنهما وهو غلام صغير. أخرج الإمام الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:” كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال:” يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ.13

قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: “هذا الحديث يضم وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه”14إن بث معاني هذا الحديث في أطفال الصحابة والسلف أنتج جيلا أدهش العالم بقوة إيمانه وصلابة مبادئه. ويكفي أن نأخذ من التاريخ صورتين تشهد على ذلك:

أولها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان في سفر فرأى غلاما يرعى غنما فقال له: تبيع من هذه الغنم واحدة؟ فقال: إنها ليست لي، فقال: قل لصاحبها: إن الذئب أخذ منها واحدة، فقال العبد: فأين الله !! فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدة مقالة ذلك العبد: فأين الله؟!15

والثانية ما أورده الغزالي في “الإحياء” في تلك القصة المشهورة لسهل بن عبد الله التستري مع خاله محمد بن سوار حين أوصاه وهو غلام بأن يقول قبل النوم ثلاثا: الله معي، الله ناظري، الله خالقي، فلم يزل على ذلك كما أخبر بنفسه حتى صار سهلا وما أدراك ما سهل”16.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:” أحِبُّوا اللهَ لِما يَغذوكُم بِهِ مِن نِعَمِهِ ، وأحِبّوني لِحُبِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ، وأحِبّوا أهلَ بَيتي لِحُبّي رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. إن محبة الله لا تنفك عن محبة رسوله الكريم فلا فاصل بين المحبتين.

والطفل حين نعلمه أن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، وأن أعظم نعمه علينا هي الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم، عندئذ يتفانى في محبة الشخص الكريم حتى يكون أحب إليه من الناس أجمعين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” والذي نفسي بيده لا يؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ17.

وإن النماذج المشرقة من أبناء الصحابة والتابعين لدليل على أن زهرة الحب النبوي تترعرع في قلوب الصغار شيئا فشيئا. ومن أهم الوسائل التي رسخت فيهم تلك المحبة ما يلي18:

السرعة في الاستجابة لندائه وتنفيذ أوامره؛

مسارعتهم لقتال من يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم؛

حبهم لما يحب النبي وكراهيتهم للجاهلية؛

حفظهم للأحاديث النبوية.

وأعظم هذه الوسائل، وأكثرها تأثيرا في نفوس الأطفال ليزدادوا تعلقا وشوقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دراستهم لسيرته، لأنها الترجمان لمعاني القرآن، ولما فيها من إثارة للعاطفة وتأثير عجيب في النفس، ولما فيها من معاني الحب والجهاد في سبيل الله. عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، قال: “كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يابني ! إنها شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها”19

إن محبة الله ورسوله هي العروة الوثقى التي يجب أن تعقد في نفس الطفل منذ الصغر فتكون هي الباعث الأساسي في الاستمساك بالطاعات واجتناب المنكرات، لأن المحب لمن يحب مطيع. وإن تجليات تمكن محبة الله في نفس الطفل حب سماع كلامه تعالى. وما ذاك إلا ربط الطفل بالقرآن الكريم.

فكيف يجب أن تكون علاقة الطفل بالقرآن الكريم؟

علاقة الطفل بالقرآن

نحزن كثيرا ونحن نشاهد عددا هائلا من المواقع في الشبكة الإعلامية العالمية لليهود وغيرهم، تسخر تقنيات متطورة لتتخطف الناشئة من أحضان التربية المستقيمة، ونلاحظ كيف تحتال لتطمس الفطرة النقية من خلال ما تقدمه من “رسوم متحركة” تبين عظمة الإنسان الذي لا يقهر مطلقا ؟!، وتحقن في لاوعيه فكرة الإنسان اللاهث وراء جزر الكنوز والمغامرات، وليس في حياته ولو لحظة لذكر الله والتفكر في آلائه.

تؤكد الدراسات التربوية أن السنوات التسع الأولى هي أساس مرحلة التشرب الوجداني والبناء النفسي للطفل20. وهذا هو موطن الداء في علة المسلمين، ألا وهي عافية النفوس وشفاء العقول. فحضانة هذا الكائن الناشئ إنما تستمد من القرآن الكريم. يجب أن يكون حرف القرآن المقدس أول ما يطرق سمع الصبي والصبية، يتغنى بتلاوته بدل هذا الهراء من المسوخ الماجنة. يتعايش مع قصصه ويتشوق لطرافتها كما يقتبس من نورانيتها لتتفتق مواهب الاستطلاع لديه في رحلات الآيات في الكون والأنفس. ولا شك أن الميثاق الغليظ الذي أخذ عليه يوم كان في ظهر الأجداد، ميثاق “ألست بربكم ! قالوا بلى.. ” الآية، يحييه كلام الله تعالى وتجدده آياته وتبعثه نورانيته.

عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال : حبِّ نبيِّكم وحبِّ آلِ بيته وتلاوة القرآن فإنَّ حملة القرآن في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلَّ إلا ظلَّه مع أنبيائه وأصفيائه.”21.

وعنون البخاري أحد أبوابه بهذا الحديث العظيم ” باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه” عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”خِيَارُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ، قَالَ وَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا أُقْرِئُ22.

هذا نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا حثه على ضرورة إرضاع الأولاد لبان الوحي ممزوجة بلبان الغذاء حتى يشتد عود الفطرة، ويتوثق رباطه بنور الله المبين، وحبله المتين، وذكره الحكيم.

كان هذا هو ديدن الصحابة رضوان الله عليهم، السورة يحفظها الصبي كالوسام على صدره يفتخر به وكالكنز يسعى إليه، روى أبو يعلى وابن حجر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أتي بي عند مقدمه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقالوا: يا رسول الله! هذا غلام من بني النجار وقد قرأ ما أنزل عليك سبع عشر سورة، فقرأت على رسول الله فأعجبه ذلك…”23. عن عبد الله بن عمرو أن رجلا جاء بابن له فقال: يا رسول الله إن ابني يقرأ المصحف بالنهار ويبيت الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرا ويبيت سالما”24. وهذا ابن عباس يتفاخر أنه قرأ المحكم على عهد رسول الله عليه سلم، فقد ذكر ابن كثير في فضائل القرآن، أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم”25.

وجاء في كتاب “منهج التربية النبوية للطفل” أن مجموعة من أطفال السلف حفظوا القرآن في سن مبكرة فكان لهم الباع الطويل، وهي نماذج توضع بين يدي الوالدين تقتدى وتحتدى ومنهم26:

– الشافعي إذ يقول رحمه الله: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر؛

– ويقول سهل بن عبد الله التستري: فمضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين؛

– أما ابن سينا لما بلغ عشر سنين في عمره كان قد اتقن القرآن العزيز.

وهكذا توارث الأجيال هذه الحكمة البليغة فكان تعليم الصبيان شعارهم ومبعث تفاخرهم. وقد أورد ابن خلدون في مقدمته:” اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي يبنى عليه ما يحصل بعد من الملكات. وسبب ذلك أن هذا التعليم أشد رسوخا وهو أصل ما بعده، لأنه السابق الأول إلى القلوب”27

وفي هذا الصدد يقول الإمام الحافظ السيوطي رحمه الله: “تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام فينشؤون على الفطرة ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها وسوادها بأكدار المعصية والضلال “28

للقرآن العظيم تأثير كبير على النفس البشرية عموما، وكلما ازدادت النفس صفاء ازداد تأثرها به. والطفولة تتميز بصفاء القلب ونقاء الفطرة. وإذا تأملنا الآيات المكية وجدناها قصيرة تقدم موضوعا متكاملا بكلمات قليلة، فتكون مناسبة لنفسه القصير.

يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي بهذا الصدد: “فكل آية في وصفها- أي السور المكية- كأنها سورة من كلمات قليلة لا يضيق بها نفس الطفل الصغير، وهي تتماثل مع ذاكرته بهذه الفواصل التي تأتي على حرف واحد أو حرفين أو حروف قليلة متقاربة، فلا يستظهر الطفل بعض هذه السور حتى يلتئم نظم القرآن على لسانه ويثبت أثره في نفسه فلا يكون بعد إلا أن يمر فيه مرورا، وهو كلما تقدم وجده أسهل عليه، ووجد له خصائص تعينه على الحفظ….”29

إن ربط الأطفال بالقرآن خيار استراتيجي للأمة أمام محاولات إطفاء نور الفطرة، كما أنه باعث الانطلاق الفكري والثقافي والأدبي، فإذا ما نشأ الطفل على الإيمان الصحيح محبا لله ولرسوله متشربا لمعاني القرآن كان ذلك باعثا له على العمل الصالح: إذ الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.

وبعدها يسهل على المربي التدرج بالطفل في تربيته على العبادات، والله المستعان.

ثانيا: التربية على العبادات أسسها ومرتكزاتها:

الصلاة عماد الدين

الطفل إذ يتوجه لعبادة ربه فهو يلبي فطرة كامنة في نفسه فيشبعها ويغذيها، وهذا ما أشار إليه الدكتور سعيد رمضان البوطي بقوله: “ولكن لا بد، لكي يظل غرس العقيدة قويا في النفس، من أن يسقى بماء العبادة بمختلف صورها وأشكالها، حينذاك تنمو العقيدة في الفؤاد وتترعرع وتثبت أمام عواصف الحياة وزعازعها”30.

وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأطفال الذين نشأوا على عبادة الله بالحديث الذي أخرجه الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” مَا مِنْ نَاشِئٍ يَنْشَأُ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ، إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ صِدِّيقاً“. والطفل إذ نربيه على العبادة ليس من باب التكليف، وإنما من باب إعداده وتدريبه وتعويده، حتى إذ وصل سن البلوغ سهل عليه أداء الفرائض، واشرأبت نفسه للنوافل لما تشعره من اتصال بالله جل وعلا، وتهدئ من ثوراته النفسية، وتلجم انفعالاته الغضبية فتجعله سويا مستقيما فيأخذ الخشوع كليته حين يرتل آية من القرآن، أو حين يقف للصلاة، أو لحظة الإفطار بعد الصيام… إلى غير ذلك من الأسرار التي تكمن في كل عبادة فرضها المولى عز وجل.

ولما كانت الصلاة عماد الدين وأول ما يسأل عنه المرء غدا يوم لقاء الله وجب إعطاؤها الأولية والأهمية التي أناطها بها الشرع الحكيم. يقول الحق سبحانه:” وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا“(طه132)، ويقول عز من قائل: “ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون“(التحريم: 6). يعلق الشيخ الشعراوي عن الآيتين بقوله “فتدريب الطفل على الصلاة منذ نعومة أظفاره من أهم عوامل صيانته، ومن أكبر أسباب استقامته. وتفريط الأبوين في الصلاة والإساءة في أدائها جريمة في حق النفس وفي حق الأولاد”31

وقد كانت الصلاة آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عند وفاته فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: “كان آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حضره الموت: “الصلاة الصلاةمرتين وما ملكت أيمانكموما زال يغرغر بها في صدره وما يفيض بها لسانه . 32

وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا صريحا في تحديد المسؤولية، حيث استنبط منه علماء التربية المراحل الأساسية للتدرج في تعليم الطفل الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ33 ، وفي رواية أخرى عن بن أبي الدنيا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عَلِّمُوا أَوْلادَكُمُ الصَّلاةَ إِذَا بَلَغُوا سَبْعًا، فَإِذَا بَلَغُوا عَشْرًا، فَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ34.

إذا، فتعليم الطفل الصلاة يمر عبر ثلاث مراحل نجملها في التالي:

مرحلة التقليد:

وهي مرحلة ما قبل السابعة إذ يسعى الطفل إلى تقليد ومحاكاة كل ما يراه وخاصة من والديه، فمن الخطأ أن نقول له عند وقوفه بجوارنا يقلدنا في الصلاة: لا يا بني من حقك أن تلعب حتى تبلغ السابعة، فالصلاة ليست مفروضة عليك. فلندعه على الفطرة وليقلد كما يشاء، بل على العكس يجب أن نشجعه ونظهر له فرحنا بتقليده لنا في الصلاة حتى يشعر بخصوصيتها وتميزها عن باقي الأمور التي يقلدها. قال الفضيل بن عياض: رَأَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رَجُلا يُسِيءُ صَلاتَهُ، فَقَالَ: “مَا ارْحَمْنِي بِعِيَالِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا يَحْيَى، يُسِيءُ هَذَا صَلاتَهُ وَتَرْحَمُ عِيَالَهُ، قَالَ: “إِنَّهُ كَبِيرُهُمْ وَمِنْهُ يَتَعَلَّمُونَ.35

مرحلة التعليم:

حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم سن السابعة لتعليم الطفل الصلاة، وقد كان عليه الصلاة والسلام يعلم أبناء الصحابة كل ما يتعلق بإقامة الصلاة من وضوئها وصفتها وأذكارها وأدعيتها. عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال:” عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْر: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَالحديث. بل كان عليه الصلاة والسلام حريصا على تصحيح أخطائهم في الصلاة، روى الترمذي عن أم سلمة قالت: رأى صَلَّى الله عليه وسلم غلامًا لنا يقال له: أَفْلَحَ، إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ: يا أفلح تَرِّبْ وَجْهَكَ“.36.وأخرج الترمذي أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه: “يابني إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هَلَكة فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفريضة“.

مرحلة الأمر بالصلاة والضرب لتركها:

بين الحديث السالف تحديد سن الضرب بسبب ترك الصلاة في سن العاشرة حيث يكون الطفل مميزا بين الخير والشر، والصلاح والفساد، فإذا ما قصر في صلاته أو تكاسل أو تهاون في أدائها جاء العلاج النبوي وهو الضرب بعد الإفهام، على أن يراعي في هذه الوسيلة التأديبية ضوابطها37.

وأخيرا ينبغي تحبيب المسجد للأطفال وتعظيمها في قلوبهم، فهي محضن الرجال ومدرسة العلماء ومحراب المتبتلين. وإليك أخي المربي هذه الوصية من الشيخ عبد الله ناصح علوان في هذا الصدد إذ يقول: “اعلم أخي المربي أن المسجد من أهم الدعائم التي قام عليها تكوين الفرد المسلم وبناء المجتمع الإسلامي في جميع العصور السالفة عبر التاريخ، ولا يزال المسجد من أقوى الأركان الأساسية في بناء الفرد والمجتمع في حاضر المسلمين ومستقبلهم، إذ بغير المسجد لا يمكن أن يتربى ولدك روحيا وإيمانا، وأن يتكون خلقيا واجتماعيا، وبغير المسجد لا تسمع أنت ومن بكنفك صوت النداء العلوي (الله أكبر) يجلجل في السماء الدنيا فيهز المشاعر ويحرك أوتار القلوب…”38

أركــان الإسلام:

إن الطفل غير مكلف بالصوم والزكاة والحج من الناحية الشرعية، إلا أنه يستحب تدريبه على هذه العبادات كما كان دأب الصحابة والسلف الصالح.

فريضة الصيام:

ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ:” أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأنصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإفطَارِ39. يظهر من الحديث أن الصحابة كانوا حريصين على ترغيب أبنائهم في الصوم لما فيه من الفوائد ،فهو عبادة جسدية تعود الطفل على الصبر والجلد وكبح جماح رغباته، كما أنها عبادة روحية تعلم الطفل الإخلاص لله تعالى ومراقبته في السر والعلن.

فريضة الزكاة:

ليس على الطفل زكاة، ولكن لا مانع أن يشترك الطفل مع والده في توزيعها ليشعر بأهمية هذه الفريضة، وليعلم أنها تخرج عنه في زكاة الفطر كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل عبد أوحر، صغير أو كبير“. فالوالد إذ يعطي طفله الصدقات ليوزعها فهو تعليم له أن التصدق من أساسيات الدين، وأنه مسؤول عن فقراء المسلمين، ولا يصح له أن يبيت شبعان وجاره جائع، وأن المال مال الله يعطيه من يشاء، ويمنعه عمن يشاء.

فريضة الحج:

ليس على الطفل حج أيضا، ولكن إن تيسر له الحج فحجه مقبول فيما رواه ابن السني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:”إِنِّي أُرِيدُ هَذَا الْوَجْهَ الْحِجَّ، قَالَ: فَمَشَى مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: “يَا غُلامُ زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ فِي الْخَيْرِ، وَكَفَاكَ الْهَمَّ“. فَلَمَّا رَجَعَ الْغُلامُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: “يَا غُلامُ قَبِلَ اللَّهُ حِجَّكَ، وَكَفَّرَ ذَنْبَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ40. ثم إن أجر حج الصبي يكون للوالدين لأنهما علماه دينه وبينا له أهمية مكة وقدسيتها وما بها من حرم وماء زمزم وبقاع طاهرة، فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ومالك وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي ركبا بالروحاء فقال:” من القوم؟ قالوا: المسلمون فقالوا من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت امرأة صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال نعم ولك أجر”. وعبادة الحج تجعل الطفل يتهيأ للتكليف فتسهل عليه العبادات ولا يجدها شاقة، لأن الحج يجمع مشقات العبادات كلها، لذلك كان الصحابة يصطحبون أبناءهم إلى الحج. فقد روى البخاري وأحمد والترمذي عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: “حَجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِين .

إن هذه العبادات تلتقي في غاية واحدة وهي تغذية الروح وتعبيد الطفل لله فتكون اللبنة الأساس ليتمثل الطفل بالخلق الحسن.

الهوامش

1- “تربية الأولاد في الإسلام “عبد الله ناصح علوان دار السلام .ط6.سنة 1983.( 1/161)

2- أخرجه الإمام أحمد وإبن ماجة والبخاري في الأدب المفرد.

3- أخرجه البخاري (1385)

4- أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2826/6)

5- “تحفة المودود بأحكام المولود ” ابن قيم الجوزية تحقيق أحمد سليمان.دار ابن رجب ط1 سنة 1999.ص 39.

6- مصنف الإمام عبد الرزاق الصنعانيطبقة المجلس العلمي تحقيق حبيب الرعات الأعظمى ط 1 سنة 1970.(6/34)

7- مصنف الإمام بن أبي شيبه دار الفكر تحقيق سعيد اللحام. ط 1 سنة 1989.(7/373)

8- مصدر سابق (4/334) .

9-“سير أعلام النبلاء” للحافظ الذهبي. مؤسسة الرسالة. ط2 سنة 1984 (2/305)

10-“تحفة المودود” ابن القيم .ص287

11- “الإحسان “عبد السلام ياسين .مطبوعات الأفق.ط1 سنة1998. (1/81) .

12- “تربية الأولاد في الإسلام” عبد الله ناصح علوان (1/19)

13- أخرجه الترمذي وصححه (2516)

14- “جامع العلوم والحكم” لابن حجر ص 205.

15- نقلا عن كتاب منهج التربية النبوية للطفل لمحمد نور عبد الحفيظ سويد. دار ابن كثير الإصدار الجديد رقم3: ط1 سنة 1998ص 216.

16- المصدر السابق ص 216.

17- أخرجه البخاري( 1/58)، ومسلم( 1/6).

18- منهج التربية النبوية للطفل ص 217.

19- “محمد رسول الله” محمد رضا .دار الكتب العلمية .ط5 سنة 2002 .ص151.

20- “عواطف الطفل” مبارك ربيع. الشركة المغربية للطباعة و النشر ط2. ص 16.

21- أخرجه السيوطي في الجامع الصغير (311) .

22- أخرجه البخاري (3339).

23- أخرجه ابن حجر في تعليق التعليق (5/306).

24- أخرجه أحمد في مسنده وصححه (10/111).

25- أخرجه البخاري (5035) .

26- مصدر سابق ص 240.

27- مقدمة ابن خلدون طبعة جديدة منقحة لدار الفكر، سنة2007ص 588.

28- نقلا عن كتاب منهج التربية النبوية للطفل ص 232.

29- المصدر السابق ص 237 (بتصرف) .

30- “تجربة التربية الإسلامية” الدكتور سعيد رمضان البوطي. ص 40

31- ” تربية الأولاد في الإسلام” لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي إعداد عبدالرحيم متولي الشعراوي. المكتبة لتوقيفية سنة 2004 .ص 226

32- أخرجه الحاكم وصححه في المستدرك كتاب المغازي ( 3 / 57).

33 – أخرجه الحاكم عن أبي عبد الله بن عمرو ابن العاص

34 – أخرجه ابن ابي الدنيا في كتاب العيال ،باب تعليم الصبيان الصلاة ، تحقيق الدكتور نجم عبد الرحمن خلف. دار ابن القيم. حديث 301

35 – ” تربية الأولاد في الإسلام” للشيخ الشعراوي ص 226

36 – أخرجه الترمذي (381)

37- ينظر الفصل الثاني. المبحث الثاني، مطلب : ضوابط التأديب

38- ” تربية الأولاد في الإسلام “عبد الله ناصح علوان (2/774)

39- حديث صحيح متفق عليه

40 – نقلا عن كتاب منهج التربية النبوية للطفل ص421

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons