نشاط تربوي

اليوم الدراسي

  منهاج مادة التربية الإسلامية في منظومة التربية والتكوين:       مقاربات ومداخل للتطوير

22 رجب 1437 / 30 أبريل 2016 – القنيطرة

نظمت الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية والمركز الدولي للأ بحاث والدراسات العلمية والتربوية ، يوما دراسيا في موضوع: ” منهاج مادة التربية الإسلامية في منظومة التربية والتكوين: مقاربات ومداخل للتطوير، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالقنيطرة وذلك يوم السبت 22 رجب 1437 / 30 أبريل 2016 . حضره نخبة من الخبراء وأساتذة التعليم العالي بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، ومفتشي المادة وأساتذتها، وباحثين متخصصين كما تميز بحضور مدير المناهج بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، الدكتور فؤاد شفيقي، ورئيس شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن طفيل الدكتور محمد بلحسان، والدكتورة مريم أيت أحمد رئيسة مركز إنماء للأبحاث والدراسات المستقبلية.واشتمل برنامج اليوم الدراسي على جلسة افتتاحية وجلستين علميتين.

الجلسة الافتتاحية

1_N_8

انطلقت الجلسة الافتتاحية التي أدارها الأستاذ لحسن شعيب مفتش تربوي، ب واشتملت على كلمات كل من الدكتور فؤاد شفيقي والأستاذ محمد الزباخ والدكتور ربيع حمو وكانت كما يلي:

أولا: كلمة السيد مدير المناهج الدكتور فؤاد شفيقي

بعد حمد الله وشكره وشكر الضيوف والمنظمين والمشاركين قال: كما تعلمون منذ تقديم الرؤية الاستراتيجية التي أعدها المجلس الأعلى للتعليم حول إصلاح المنظومة خلال فترة تمتد لخمسة عشر سنة (2015-2030 ) والجهات المسؤولة الوصية على مختلف مكونات هذه المنظومة وهي أساسا أربع جهات : ( وزارة التربية الوطنية كجهة أساس – وزرارة التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر – قطاع التكوين المهني – ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية )، وهذه الجهات منكبة على إعداد خطط لتفعيل هذه الرؤية ولتي وضعتنا أمام أسئلة عميقة تطرح اليوم على منظومة التربية والتكوين فيكفي أن نذكر أنه في نهاية التسعينات من القرن الماضي لم يكن يلج المدرسة من أصل مائة تلميذ إلا حوالي السبعين أو نيف بمعنى أن ولوج المدرسة كان في حدود % 75 وبضع سنوات بعد ذلك انتقلت هذه النسبة بفضل إرادة سياسية ومجتمعية إلى نسب عالية جدا في بداية سنة 2000 حوالي % 92 اليوم من فئة الأطفال البالغين 6 سنوات حوالي % 99.7 من الأطفال يلجون المدرسة.

وهذا المجهود الجماعي لتوفير حق التمدرس لكل الأطفال واكبته على مستوى المدرسة قضايا من نوع جديد : قضايا الاكتظاظ داخل الفصول وقضايا تكليفات الأساتذة لتدريس المواد المتقاربة أو المتآخية نظرا لضعف الموارد البشرية لتغطية هذه الحاجة وواكب ذلك كله منذ بداية سنة 2000 مراجعة شاملة للبرامج التعليمية بالمغرب ..

وهنا ينبغي التأكيد على أنه ولأول مرة في تاريخ المغرب المستقل تمت مراجعة البرامج الدراسية في شموليتها لأنه قبل بداية سنة 2000 كانت البرامج تخضع لمراجعة تخصصية، كل مادة على حدة بشكل مستقل. …وبعد الميثاق دخلنا غمار مغامرة غير مسبوقة في تاريخ المنظومة التعليمية، وهي التفكير في المنهاج بشكل متكامل باعتبار أن مكوناته الأخرى المختلفة يجب أن تكون متضافرة لا متناثرة ، وهذا ما استدعى هندسة معينة من كل مكونات الساحة التربوية التي كما يطلب منها التفكير في أهداف التدريس بمختلف المواد الدراسية بمختلف مستوياتها…أيضا مطلوب منها التفكير في الهندسة البيداغوجية التي سوف تمكننا من الوصول إلى هذه النتيجة ..ولذلك فالإصلاح يتطلب آليات ومن خلال هذه الآليات نتمكن أولا نتمكن من الوصول إلى هذه النتائج ..ولذلك ثم وضع مجموعة من الآليات وهي على الشكل التالي: – التفكير في لجنة عابرة للأسلاك التعليمية الثلاث وعابرة للمواد ، وهذه اللجنة تفكر في كل تلميذ متخرج من كل سلك ، وهذا العمل غير مسبوق في منظومات التعليم بالمغرب باعتبار أن التفكير فيما سبق كان تفكيرا أحادي الجانب وفي أحيان كثيرة يتعلق بسلك دون الأسلاك الأخرى ، حتى أن طبيعة وزارة التربية الوطنية كانت مقسمة حسب الأسلاك : ( مديرية التعليم الابتدائي ومديرية التعليم الإعدادي و مديرية التعليم الثانوي ) وكان التفكير يتم داخل كل مديرية على حدة على أساس أنها وزارة مستقلة . في حين أن بناء المنهاج المتكامل يتطلب مما يتطلب أن يتم التفكير فيه بشكل شمولي…أولا على المستوى العمودي بالنسبة لنفس مادة التخصص وأفقيا باعتبار التقاطعات الممكنة مع مختلف المواد ومع مختلف الحقول المعرفية المدرسة في المدرسة . هذا الأمر تم بين سنة 2000 و 2005،ويختزل فيما سمي أنداك “بالكتاب الأبيض”.. عشر سنوات من بعد كان المفروض أن يكون هناك تقييم للمنهاج في شموليته بحيث لا يقتصر على تقييم مفردات البرنامج الدراسي ولكن أيضا أن يسبر غور طرق ومناهج التدريس والأدوات المستعملة بيداغوجيا وديداكتيكيا في الكتاب المدرسي وأساليب التقويم وأساليب تكوين المدرسين، والرفع من خبراتهم بمعنى أن تقييم المنهاج الدراسي لا يجب أن يقتصر فقط على مفردات البرنامج بل يجب أن يتعداه إلى هذه الجوانب الأخرى.

لأنه أحيانا قد نتوفر على برنامج دراسي جيد لكننا لا نتوفر على أستاذ باستطاعته تدريس ذلك البرنامج، أو نتوفر على أستاذ جيد ولا نتوفر على معين تربوي أو ديداكتيكي يعين ويساعد على تجويد عمل ذلك الأستاذ، ويمكن أن نتوفر على جميع هذه العناصر ونكون في نظام تقويمي للمعلومات والمكتسبات ينخر كل هذا المجهود الذي يمكن أن يقوم به المدرس وواضع البرنامج ومؤلف الكتاب وغير ذلك.

ولهذا النقاش الذي كنا قد بدأناه مع رئيس الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية في الندوة التي نظمت بمدينة مراكش كنا قد ختمناه بأنه على مستوى فروع الجمعية على الصعيد الوطني يجب على كل فرع أو كل مجموعة من الأساتذة والمفتشين بمعية زملائهم في التعليم العالي ومراكز التكوين الاشتغال على موضوع من هذه المواضيع …لتكون لدينا تصورات متكاملة حول مختلف هذه المكونات :كيف يجب أن تكون مفردات البرنامج ؟ وكيف يجب أن يوزع حسب المستويات الدراسية ؟ وماهي الطرق البيداغوجية الملائمة لكل مستوى دراسي وكل موضوع تعليمي تعلمي ؟ و كيف يجب أن تكون الأدوات الديداكتيكية المستعملة وخصوصا الكتاب المدرسي ؟ نظرا لمكانته المركزية داخل المنظومة التعليمية.

كيف يجب أن يكون تكوين المدرسين وماهي كفاياتهم المهنية والعلمية ؟. وللإشارة فقط أنه من أهم المعيقات التي تعترض تطوير توسيع التعليم الأصيل بالسلك الإعدادي هو عدم انخراط عدد كبير من أساتذة مادة التربية الإسلامية في تدريس مواد العلوم الشرعية، حيث إن هناك أساتذة يعتبرون أنفسهم غير مؤهلين لتدريس مواد العلوم الشرعية . في حين أن هذه المواد الشرعية هي المكونات الأساسية في تكوينهم الجامعي …ولعل التقييم يجب أن يصب في كل هذه الجوانب مجتمعة.

ولكن يجب أيضا أن يتطرق إلى نوع من النقد الذاتي للتجربة الحالية التي عشناها جميعا بإيجابياتها وسلبياتها، لأن الرؤية الاستراتيجية للتعليم لا تقف فقط عند السلبيات بل تقف أيضا عند الإيجابيات، حيث إن هناك إيجابيات عديدة من أهمها تعميم التعليم وإيصاله إلى مختلف شرائح المجتمع.

ومن النتائج السلبية الاكتظاظ والحاجة إلى المزيد من المدرسين والحاجة لمدرسين بكفايات مختلفة…لهذا ندعوكم للتفكير في كل هذه القضايا، لا يمكن ان نفكر في منهاج بتفكير أحادي الزاوية ..وأتمنى أن يتم التفكير في هذا الإصلاح أو في المقترحات التي سوف يتم تجميعها وتركيبها من طرف الجمعية حول موضوع إصلاح التربية الدينية بتوازي وتكامل مع المحاور الأربعة التي وضعها المجلس الأعلى للتعليم وهي:( تكافؤ الفرص – جودة التدريس – علاقة المدرسة بالمجتمع – الحكامة في تدبير ما سبق ) …وشكرا على حسن المتابعة .

ثانيا: كلمة السيد رئيس الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية الأستاذ محمد الزباخ

في البداية حمد الله وشكره وشكر الضيوف والمنظمين والمشاركين ، فقال: لقد دأبت الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية – في إطار أنشطتها وبهدف تحقيق أهدافها – على تنظيم ندوات وطنية حول قضايا ومواضيع مختلفة، ومن بين المواضيع التي كانت تشغل اهتمام الجمعية وظلت مستحضرة ومستصحبة في هذه الأنشطة موضوع منهاج المادة بكل مكوناته الأساس، ومن زوايا متعددة وبوسائل وآليات متنوعة.

وكانت الانطلاقة الفعلية للاشتغال على الموضوع بجدية وعلمية ندوة وطنية بمدينة مراكش في نوفمبر 2014 حيث نظمت الجمعية يوما دراسيا بحضور أعضاء المجلس الوطني للجمعية وثلة من المفتشين والباحثين والمكونين، وبحضور مسؤول بالوزارة كمحاضر وهو مدير المناهج والذي يشرفنا اليوم بحضوره مما يدل على تتبعه لملف المناهج عموما، ومناهج التربية الإسلامية خصوصا ، هذا الحرص يدل على أهمية الموضوع من جهة وعلى وحدة الهم ووحدة الهدف.

وأهم ما تم التوصل إليه من نتائج في ذلك اليوم : إعداد عدة موحدة أو أوراق عمل للاشتغال على تقويم منهاج الماد ة، وأرسلت هذه العدة إلى جميع الفروع بهدف إشراك الفاعلين الممارسين وتوسيع دائرة الاستشارة، على أن يحرص المكتب الوطني لاحقا على تجميع الإنتاجات والاقتراحات والتوصيات، ويكون لجنة وطنية مختلطة علمية وتقنية متخصصة لإعداد تقرير تركيبي وصياغة مذكرة تترجم رؤية الجمعية حول الإصلاح المرتقب ، مقرونة باقتراحات علمية وعملية ترفع إلى الوزارة والجهات الأخرى المعنية في الوقت المناسب وتباينت الهمم في التفاعل مع الموضوع، وظل( أي هذا الموضوع ) ورشا أو ملفا مفتوحا.

إلى أن ظهرت الحاجة لضرورة التفعيل وتسريع وتيرة الاشتغال عليه، ومن بين دواعي ذلك ما خصصه التقرير الاستراتيجي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من فقرات لمادة التربية الإسلامية والتعليم الأصيل والتعليم العتيق، وكذا الدعوة الملكية إلى مراجعة مناهج التعليم الديني عموما ومن بينها منهاج مادة التربية الإسلامية …

وتفاعلا مع هذه الدعوة، ومع هذه الحاجة، ومع هذه المستجدات.. ركزت أنشطة الجمعية سواء في مكتبها الوطني آو في مكاتبها الجهوية والمحلية على هذا الموضوع وأولته عناية كبيرة من خلال عقد ندوات علمية متعددة بحضور شخصيات وازنة آخر هذه الندوات ندوة فرع شيشاوة ومناظرة وطنية بمدينة خربيكة .

– ويعتبر لقاؤنا اليوم امتدادا لأشغال تلك المحطات، وإن ما ستتخلله من مداخلات وتعقيبات ونقاشات وتقاسم أفكار، وما ستسفر عنه من اقتراحات وتوصيات، ستنضاف إلى النتائج السابقة ليتم – كما قلت سابقا- صياغة مذكرة علمية وعملية واضحة الرؤية تعتزم الجمعية الانتهاء منها في أواخر هذا الشهر ورفعها إلى الجهات المعنية .

أيها الحضور الكريم: أود التأكيد في هذه الكلمة الافتتاحية على أن الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية جمعية مهنية تربوية مستقلة، ولقاؤنا اليوم يدخل في سياق جملة من الأهداف التي تتغيى تحقيقها: من أهمها خدمة مادة التربية الإسلامية من خلال تثبيتها في المنظومة التعليمية سواء من حيث الحصص أو المعامل أو التعميم على جميع الأسلاك والشعب والمسالك ، أومن حيث الحفاظ على خصوصيتها وإبراز دورها في تخليق الحياة العامة ، واعتبارها – روح المواد الدراسية ، والحصن المنيع للهوية الإسلامية والشخصية المغربية المتوازنة في كينونتها الروحية والمادية …

ومن أهدافها أيضا تطوير مناهجها وطرق تدريسها…. و خدمة أساتذتها من خلال تنظيم اللقاءات التواصلية التربوية والدورات التكوينية،والأنشطة الثقافية …

وتحقيقا لما ذكر وطبقا لقانونها الأساسي، فهي تنظم أنشطتها بتعاون وشراكة وتنسيق مع كل الجمعيات والمؤسسات العلمية والمراكز التربوية المختلفة ذات الاهتمام المشترك، كما تستدعي لأنشطها كل الشخصيات والباحثين والفاعلين الذين بإمكانهم إعطاء قيمة نوعية لأنشطة الجمعية علميا وتربويا وتنظيميا وتقنيا، ويمتلكون قوة اقتراحية للتطوير والإبداع…. بما يخدم في النهاية المنظومة التعليمية ببلادنا ومصلحة ناشئتنا .

– ومن هذا المنطلق أتوجه بالشكر الجزيل للمركز الدولي للأبحاث العلمية والتربوية، في شخص مديره العام الدكتور ربيع حمو على حسن التعاون والتنسيق بين الجمعية لتنظيم هذا اليوم الدراسي في هذه المحطة الهامة وهذه المرحلة الحاسمة …

– كما أتوجه بالشكر الجزيل لكل من لبى هذه الدعوة للمساهمة والمشاركة في أشغال هذا اليوم الذي ننتظر منه نتائج عملية وتوصيات هامة، وما على هذه الثلة من الدكاترة والباحثين الحاضرين معنا بعزيز.

– وأتوجه بشكر خاص للدكتور فؤاد شفيقي الذي ما بخل يوما على الجمعية بالحضور أو التواصل وإبداء الرأي بل النصح في ملف التربية الإسلامية آو التعليم الأصيل.

– كما لا يفوتني أن أتوجه بالشكر لمدير هذا المركز المحتضن لهذه التظاهرة العلمية والتربوية …

– أتمنى صادقا التوفيق والنجاح لهذا اللقاء المبارك وفق الله الجميع وجزاهم الله على اهتمامهم وتضحياتهم .

ثالثا: كلمة السيد مدير المركز الدولي للأبحاث والدراسات العلمية والتربوية الدكتور ربيع حمو

بدأ بحمد الله وشكره وشكر الضيوف والمنظمين والمشاركين ثم قال: في سياق الدعوة الرسمية الأخيرة بخصوص مراجعة مناهج التربية الدينية بكل من التعليم العمومي والخصوصي والتعليم العتيق ..وانطلاقا من نقاش عمومي أثير، اختلفت مستوياته ومقاصده ومرجعياته، اختار المركز الدولي للأبحاث والدراسات العلمية والتربوية أن يتناول هذا الموضوع من زاوية علمية فاشتغل بشراكة مع الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية على هذا الموضوع، هذه الجمعية التي لها أيادي بيضاء في خدمة هذه المادة وخدمة أساتذتها فكانت الاستجابة المباشرة للمكتب الوطني للجمعية مشكورا فاتجه الجهد إلى بناء أرضية لهذا اليوم الدراسي وتحديد محاوره، وقد اخترنا علميا أسلوب الاستكتاب فاستكتبنا خبراء ومتخصصين في مجال مادة التربية الإسلامية من حيث بناء مناهجها ومن حيث ديداكتيك تدريسها.

ومدارسة هذه الأرضية أساسها ومرتكزاتها ،كما أشار الدكتور شفيقي أن ننظر للقضية من زاوية السياسة التعليمية ومن زاوية بناء المناهج ولا نجتزأ النقاش عن سياقه العام، وهذا مطلب ضروري ومشروط وهذا المحور ينبغي أن يفتح فيه النقاش بشكل عميق، لكننا في هذا اليوم الدراسي سنركز على هذا المحور من خلال مداخلات متنوعة منها دراسات وصفية تحليلية ومنها دراسات ميدانية تتبعت تمثلات مختلف الفاعلين وانتظارات المجتمع من مادة التربية الإسلامية، بالإضافة إلى تشخيص مفردات ومضامين منهاج المادة، ومختلف القيم المؤطرة لهذا المنهاج.

ثم اقتراح مداخل لمراجعة هذه المنهاج. كما لا يفوتني في هذا السياق أن أشكر السيد مدير المركز الجهوي الدكتور سمير على فتح المركز لاحتضان هذا النشاط فله منا جزيل الشكر وموفور الامتنان، كما نتعذر لجميع المشاركين الذين طلبوا المشاركة فاعتذرنا لهم باكتمال العدد المحدد ….فنرجو أن يكونوا قد تقبلوا عذرنا كما أدعو جميع المشاركين إلى الإسهام الفعال سواء من خلال مناقشة الجلسات العلمية أو من خلال ورقة المقترحات والتوصيات …..والحمد لله رب العالمين.

الجلسة العلمية الأولى

مراجعة منهاج التربية الإسلامية؛ السياق والانتظارات

77

أدار الجلسة الدكتور عبد الصمد الرضى أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالبيضاء، وقد تضمنت ثلاث مداخلات:

المداخلة الأولى

مراجعة مناهج التربية الإسلامية

السياق العام ومطلب المراجعة

للأستاذ محمد احساين

مفتش تربوي سابق النائب الأول لرئيس الجمعية

إن الهدف من التربية عموما والتربية الإسلامية خصوصا إنشاء المواطن الصالح المتسامح، وهذا هو الهدف من كل المشاريع التربوية عند دول العالم الإسلامي، غير أن نظريات الإصلاح التربوي في عالمنا المعاصر تتنازعها نظريتان: علمانية ملحدة ودينية متطرفة، الأولى جافة لجفاء نظرتها، والثانية متشددة لتشدد وجهتها، فضلا عن النظريات الاشتراكية والشيوعية المتسلطة على عالمنا الإسلامي صاحب الهوية الربانية والتقاليد المحافظة.

ولقد أفرز أصحاب كل نظرية نتائج سلبية وخيمة على منظومتنا الأخلاقية والفكرية، مما يحثنا –معشر التربويين- مراجعة هذه النظريات، إعداد للأرضية السليمة للتنزيل وفق منظومتنا القيمية الإسلامية الربانية، حتى نسد الباب أمام أصحاب الدعوى المعرضة المتهجمة على تربيتنا الإسلامية ومتهمة إياها بالضلوع في نشر الأفكار الهدامة والإرهاب الفكري الذي تعاني منه أمتنا اليوم.

ويعرف بلدنا المغرب الحبيب اليوم نقاشا هاما حول مراجعة الخطاب الديني في المنظومة التربوية، ومن هنا يمكن أن تفهم المبادرة المغربية من خلال طلب جلالة الملك محمد السادس نصره الله من الحكومة ومن خلال بلاغ رسمي ” بمراجعة مناهج تدريس التربية الدينية في مختلف مستويات التعليم المغربي”، وذلك بغرض تكريس مجموعة من القيم والأخلاق المحددة لسلوك الشخص المتعلم في مختلف تصرفاته وعلاقاته مع نفسه ، و مع ربه ؛ و مع العالم بمعناه الأوسع.

وعليه جاءت هذه المداخلة للإجابة على مجموعة من الإشكالات:

– ما هو السياق الدولي والمحلي لدعوة المراجعة ؟

– وما هي المرجعيات المؤسسة والضاغطة لهذه المراجعة ؟

– وما هي توجهات المجتمعات نحو التجاوب مع ضغوط مراجعة البرامج الدراسية ؟

– وإلى أي مدى تجاوب المغرب مع مطلب المراجعة ؟

السياق الدولي العام : وهو سياق متعدد ومتنوع الأبعاد:

  1. العولمة ومحاولة تجاوز السيطرة الاقتصادية إلى السيطرة الروحية وتنميط الثقافة والقيم: فالعولمة مخطط يهدف لسلخ أمتنا من أصولها وهويتها الفكرية والقيمية، وسياق المراجعة يهدف لحفظ هذه الهوية من مخطط الضياع.
  2. التشاؤم السائد لدى الغرب وتخوفه من الشرق وخاصة الإسلام ( صورة الإسلام في الغرب ): وهي صورة عمل على الترويج لها الإعلام الغربي، مجندا له جيشا من الكتاب والإعلاميين خدمة للوبي الصهيوني العالمي الذي انتبه للفتح الإسلامي في أوربا، فكان لزاما التصدي لهذه التهمة الباطلة بتكريس قيم الإسلام السمحة وموقفه من غير أهله، حتى يكون النشء قادرا على التصدي لها وإبطالها.
  3. ظاهرة التطرف وبروز الفكر التكفيري لدى الشباب ونزعة محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه: وهي ظاهرة مقلقة للبيت المسلم قبل غيره، فسقوط بعض فلذات أكبادنا في شراك الإرهاب الفكري جاء نتيجة إهمال تحصين أبنائنا من شبه التكفيريين ومسائل الحاكمية، وهذا ما يجب أن تهتم به المراجعة الجديدة تحصين أبنائنا من الفكر التكفيري أو الداعشي في صورته اليوم، بدل الاستسلام أمام التهم الباطلة للإسلام وأهله.
  4. السياق العربي وتفعيل نظرية الشرق الأوسط الجديد: حيث تراهن الأيادي الخفية المحركة لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” على إصلاح منظومة التعليم من أجل إنهاء مسلسل الكراهية والحقد ضد إسرائيل خاصة والغرب على وجه العموم، وهي دعوى تروم قطع الصلة مع الأصول الإسلامية المؤسسة على التراحم والتضامن، وإعادة بناء المنومة التربوية عل أسس التربية الكونية.
  5. المرجعيات المؤسسة أوالضاغطة لهذه المراجعة: إن هذه المراجعة جاءت نتيجة حراك تمثل في عقد العديد من المؤتمرات والملتقيات الإقليمية والدولية الداعية إلى نبذ التطرف ومكافحة الإرهاب، واعتبار المنظومة التعليمية أحد أهم الوسائل الكفيلة بإحلال السلم والتسامح، ومن هذه المؤتمرات على سبيل المثال لا الحصر:

ندوة الحوار الإسلامي المسيحي – الدوحة أبريل 2003م ناقشت قضايا حرية التدين والأديان والسلام والحرية الدينية وحقوق الإنسان العالمية وعلاقتها بالمساواة

ندوة دولية دجنبر 2003. من تنظيم كل من مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية ومؤسسة كونراد أدناور الألمانية. وشارك فيها عدة أساتذة من المغرب وخارج المغرب. كان هدفها مناقشة ” كيف يدرس الدين ” لكنها وضعت أسئلة كثيرة حول الدين فانزلقت بها من ” كيف يدرس الدين؟ ” إلى ” لماذا يدرس الدين ؟ “.

المؤتمر الدولي ضد الإرهاب بالدار البيضاء 2014 : كان تحت شعار «نعم للتعايش لا للإرهاب ” ودعا إلى الإيمان بكل القيم الكونية والاشتراك الإنساني في التأسيس لأطر التواصل والحوار وإعلاء قيمة الفرد وجعله فاعلا في حلقات التطور والتقدم الحضاري، ونشر قيم التسامح والتعايش بين الأديان والإثنيات.

وأوصى بتخليد قيم التعايش والتسامح من خلال يوم عالمي، تمثل رسالة لدعاة الحوار والتعاون الإنساني من أجل أن تكون للقيم الكونية الداعية للوئام والحوار مكانة في عالم تتهدده العديد من المخاطر، وأهمها تلك المخاطر الناتجة عن الكراهية والتصنيف الديني والعرقي الّذي يؤدي حتما إلى الإرهاب.

غير أن مشروع الإصلاح الذي يطلب من دول العالم الثالث اعتماده في جهازها التعليمي يصطدم مع ضعف الموارد المالية، مما يجعلها تحت رحمة الدول المانحة المشترطة لاعتماد نموذجها التعليمي مقابل المساعدات، وهذا ما قسم هذه الدول إلى دول قابلة لهذا المشروع، وإلى دول رافضة رفضا مطلقا، وإلى دول معتمدة لسياسة التوازنات باعتبار الضعف المادي لها.

ولقد وجدت دعوة المراجعة بالمغرب ترحيبا من لدن التيار العلماني الذي رأى فيها فرصة سانحة للنيل مرة أخرى من مادة التربية الإسلامية باعتبارها في نظرهم مصدرا للإرهاب والتربية المتطرفة، فضلا عن النفوذ الفرانكفوني الداعي إلى الباكلوريا الدولية وتكريس لغته في المواد العلمية.

واستنادا إلى هذه المعطيات جاء قرار مراجعة البرامج في المغرب في سياق سياسي وإقليمي واجتماعي معين، ويتمثل في موجة “ترشيد الحقل الديني” ومحاربة الإرهاب، والتي جعلت المغرب نموذجا في التدين تتهافت كل الدول الصديقة وغير الصديقة لاستنساخه والاستفادة منه.

علما أن المغرب كانت له محاولات في مراجعة موقع التربية الإسلامية بأسلاكه التعلمية، بعد اعتماد بيذاغوجية الكفايات سنة 1999، وأحداث 16 ماي 2003م الإرهابية، انتهاء بالمبادرة الملكية وفي المجلس الوزاري المنعقد يوم 6 فبراير 2016 بمدينة العيون حيث وجه جلالة الملك تعليماته بضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية في جميع الأسلاك التعليمية.

ويجب التنبيه إلى أن إصلاح المنظومة التعليمية يجب أن يكون من الداخل وليس استجابة للضغوط الخارجية، وإنصاف مادة التربية الإسلامية بإعطائها الحصيص الزمني المناسب بدل تكديس الدروس في وقت ضيق، أما الإرهاب فقد جاء من وسائل التواصل الاجتماعي وليس من بطون المقررات التي كتبها أستاذ مغربي ابن هذا الوطن.

ونختم مداخلتنا هذه بالتساؤلات التالية:

هل هناك فعلا دعاوى إرهابية في مادة التربية الإسلامية؟، هل المراجعة المطلوبة ستقنن المرفوض شرعا كالإجهاض والمثلية الجنسية والمساواة التامة في الإرث وجواز الإفطار العلني في رمضان؟ هذه التساؤلات وغيرها يجب أن تضعها المراجعة في الحسبان لبلد اختار الإسلام دينا له، وبالله التوفيق.

المداخلة الثانية

التربية الإسلامية في المنهاج التعليمي المغربي

السيرورة وآفاق التطوير

الدكتور محمد المسكيني

مفتش مادة التربية الإسلامية

باحث بالمركز الدولي للأبحاث والدراسات العلمية والتربوية

    إن إصلاح التعليم الديني بالمغرب سيرورة تمتد على طول تاريخ المغرب الإسلامي، والشواهد متعددة في دعوة الملوك والأمراء أو العلماء إلى تجديد التعليم الديني وتجويده، على مستوى تنظيمه، وعلى مستوى مضامينه ومقرراته، وعلى مستوى طريقته وأسلوبه وتقويمه. وإن تراثنا غني بفضل جهود عظيمة لعلماء أجلاء، وجب استئنافها في إطار التكامل الحضاري بين الأجيال، والانطلاق منها مع مراعاة حيثيات السياق الزماني والعمراني، وكذا مع إدراك الفروق العرفية والثقافية.

    وأطروحات العلماء المسلمين في إصلاح منهاج العلوم الشرعية والتربية الإسلامية قامت أساسا على:

    مراعاة المستوى المعرفي والعقلي للمتعلم. – التدرج في تقديم المفاهيم – التخفيف من كثافة المقررات – التزام المدرس بالقيم – أسلوب المدرس – الربط بين المعارف- الانفتاح على العلوم الأخرى – الفهم وليس الحفظ فقط – تدريس القيم والأخلاق.

نشأة مادة التربية الإسلامية

    لقد كان الرهان غداة الاستقلال هو كيف يمكن التوفيق بين عالم القيم المؤسِّسة للهوية ونظيره الملتفت نحو التنمية؟ بحيث ستجد المدرسة نفسها أمام ضرورة التوليف بينهما من خلال التركيب بين الحداثة والتقليد.

    وقد حصل توافق ما على ضرورة القطيعة مع الماضي الاستعماري، وعلى الاستمرارية بالقياس إلى ماض وطني وروحي، والتناسق مع المكونات الأخرى لتصور التربية انطلاقا مما توحِي به المتطلبات النوعية للبلد. في إطار من المركزيـة بمعنى أن المدرسة الوطنية العمومية والموحَّدة هي وحدها القادرة على مركزة التكوين العلمي والمهني. الأمر الذي أفرز الأربعة مبادئ الأساسية للسياسة التربوية وهي: – التعميم – التوحيد – التعريب – المغربَة.

   وقد أدرجت التربية الإسلامية في مرحلة أولى في شكل مادة موكولة إلى اللغة العربية. افتقر تنزيلها إلى الأدبيات المؤطرة؛ وتشكل مضمونها أساسًا من موضوعات فكرية عامة ذات حمولة فلسفية أو أخلاقية،في شكل دروس متتالية تفتقر إلى الوحدة الموضوعية وتخضع لنفس منهجية التناول؛ دونما حديث عن الأهداف العامة لتوظيفها. أما منهجية التدريس فتتمثل في الانطلاق من النصوص الشرعية وإخضاعها لمنهجية تحليل النصوص اللغوية .

    لكن بالرجوع إلى برنامج التربية الإسلامية واللغة العربية لسنة 1965 نجده يقدم توجيهات جد متقدمة دون أن يحدد السبل والآليات بل ترك ذلك لتصرف الأساتذة، ومنها: تلقين المادة بأسلوب واضح جذاب وتصويرها للتلاميذ في صور زاهية تجعلهم يقبلون على الارتواء من معينها، وفسح المجال للمناقشة والملاحظة وإبداء الرأي وعرض بعض المشاكل الاجتماعية الدينية التي تبدو للتلاميذ، مع العمل على تنويع الأمثلة وأخذها من محيط التلاميذ وصميم المجتمع، وإشاعة الروح الإسلامية بين التلاميذ وبثها في نفوسهم.

    لكن هذه التوجيهات لم تستطع ربط المادة بالواقع وإحداث تغيير في نفوس المتعلمين وسلوكهم وتحقيق التكامل بين موضوعاتها، ولم تكن الأطر التي أسند إليها تدريس المادة قادرة على تفعيل هذه التوجيهات في ظل غياب تكوين شرعي وبيداغوجي.

    ثم كانت محاولة لتعزيز مكانة المادة عبر توجيهات 1979 والتي نصت على أن أهمية المواد الدراسية تقاس بمدى تأثيرها في نفسية التلميذ، وتشكيل شخصيته، وأن مادة التربية الإسلامية تأتي في طليعة ما يتلقاه التلميذ المسلم. وتم في هذه المرحلة إيكال مهمة التأليف إلى المتخصصين بالدراسات الإسلامية .

    وفي إطار الإصلاح الشامل لسنة 1985، دخلت مادة التربية الإسلامية مسار البحث عن تحقيق الذات وتعزيز الهوية، سواء على مستوى الوثائق التربوية أو الخبرة المتخصصة أو على مستوى تحقيق التوافق بين الإطار المرجعي والاختيارات المنهجية والتوجيهات التربوية وبين أولويات واختيارات المجتمع أو على مستوى زيادة حصصها. وفي هذا الاتجاه، عمد القائمون على تنظيم المادة وإعادة هيكلتها؛ إلى حمل مفهوم “التربية الإسلامية” على المفهوم العام للمعرفة الإسلامية، فوضعوا لها مكونات تختص بالقرآن الكريم والحديث الشريف وتمتد لتشمل مختلف العلوم الشرعية؛ باعتبارها مجالات أساس في المعرفة الشرعية،كما سطّروا لها أهدافا عامة وأخرى خاصة. فأما الأهداف العامة فمدارها على: “تزويد المتعلم بالقدر الضروري من المعارف الإسلامية” و”توثيق صلته بالإسلام”. ومن ثم “تحقيق الامتداد في حياة المسلم”. وأما الأهداف الخاصة، فقد ارتبطت بكل مجال من حيث ارتباطه بنوع معين من المعرفة فجاءت تابعة لنوع المعرفة ووظيفتها في ذاتها؛ وليس لسيرورة وظيفيتها ومدى ملاءمتها للمتعلم . فكان عمق التعامل مع المعرفة الشرعية ينطلق من تحكيم المحتوى في تحديد الأهداف لا كما تقتضي المقاربة البيداغوجية للمعرفة. والتي تفرض أن تكون الأهداف هي التي تستدعي المعرفة الشرعية الوظيفية.

    لكن يلاحظ بأن المادة لم تتخلص من ثقل الخصومات الإيديولوجية ولم تكن قادرة على إنتاج خطاب تربوي مستوعب ومنفتح متواصل ويجيب عن أسئلة حقوق الإنسان والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

ما بعد الميثاق والتجديد النوعي

    في هذه المرحلة دخلت المادة منعطفًا جديدًا، ينطلق من كون عمليات الإصلاح المنتظرة في مجال المناهج التربوية تكون أكثر فاعلية وأكثر نجاعة، عندما تعبِّر عن مقومات الذات التاريخية والحضارية، بمختلف ثوابتها ومتغيراتها، وتستوعب في الآن نفسه وبصورة تركيبية مبدعة مكاسب الحضارة المعاصرة. واستحضارا لخصوصية المعرفة الشرعية، خلص المختصون في ديداكتيك التربية الإسلامية إلى تحديد الأسس الديداكتيكية والتربوية لتدريسها (أسس مرجعية شرعية / دينية – أسس مرجعية نظرية/فلسفية – أسس مرجعية تربوية/بيداغوجية ). ومن هنا تم العدول عن المفهوم العام للتربية الإسلامية إلى المفهوم الخاص باعتبارها مادة دراسية ينبغي لها أن تنتظم وفق منطق ديداكتيكي معين:منهاج/مجال زمني / مدخلات /مخرجات/مقاربات ديداكتيكية وظيفية تراعي الخصوصية/ طرق وأساليب ملائمة. وأصبحت المعارف وسائط لامقاصد . وخضعت المعرفة العالمة للنقل الديداكتيكي.

   لكن يلاحظ ما يلي:

   إن اعتبار المعرفة الشرعية كلها وسيلة وليست غاية، لا ينطبق إطلاقًا على النصوص الشرعية، التي ينبغي أن يتعامل معها بالمستويين معا؛ فهي غاية في ذاتها ووسيلة لبناء المعارف المنبنية عليها.

   افتقار منهجية اختيار النص الشرعي لمعايير التمييز بين وظيفة النص الشرعي في حد ذاته ووظيفة المعرفة الشرعية المنبنية.

   الإبقاء على التصنيف المعرفي لمكونات المادة خصوصًا في التعليم الابتدائي مع اعتبار العقيدة مكونا تختص به مرحلة واحدة في بداية السنة الدراسية، ما أدّى إلى فصل منهجي يتناقض وحقيقة ارتباط الإيمان بالعمل وانبناء مبدإ الطاعة على مدخل تحقق المحبة.

   اعتماد منهجية موحدة في بناء مفاهيم المعرفة الشرعية-على اختلاف خصوصياتها- واعتبار الانطلاق من نص شرعي –دراسة وتحليلا- ضرورة منهجية في الاشتغال الديداكتيكي بدرس التربية الإسلامية.ما قد يتعارض أحيانا مع ضرورة توظيف المعرفة الشرعية بمستوى الوسيلة وليس الغاية.

   رغم أن كل الأساتذة في هذه المرحلة أصبح لهم تكوين شرعي وجلهم خريجو مراكز التكوين، إلا أن الممارسة الصفية لم يطرأ عليها تغيير كبير فظلت تشهد طغيان الأسلوب الوعظي والشحن المعرفي، في ظل عدم قدرة الكتب المدرسية على تقديم نموذج التدريس بالكفايات.

آفاق التطوير

   من خلال ما سبق يتبين بأن جل الإصلاحات التي خضعت لها المادة، كان لها الأثر الواضح في تطوير المادة، وتجويد وثائقها وكفاءة خبراتها، لكنها افتقرت إلى عناصر الفعالية والتجديد المستمر، لكونها اندرجت في إطار إصلاحات فوقية غير قائمة على أبحاث تربوية وميدانية وعلى تشخيص علمي دقيق مع غياب المنظور النسقي التكاملي في الإصلاح، فظل إنتاج الكتب المدرسية بعيد عن منطق الكفايات، وظل انخراط الفاعلين دون المستوى المطلوب (عدم استيعاب ، مقاومة التغيير)، وقد زاد في تكريس عدم الانخراط ضعف المواكبة والتأطير والدعم.

   لذا فإن تطوير المادة بما يحافظ على المكتسبات الكبيرة التي تحققت خلال العقود السابقة، وبما يجعلها أكثر فاعلية وفعالية يقتضي التدخل على مستويات عدة:

ترسيخ وتقويم القيم مسؤولية المدرسة.

التكوين والتأطير والتقويم.

تجديد التخصص الشرعي في الجامعات.

البحث التربوي.

تطوير الكتب المدرسية.

المداخلة الثالثة

إصلاح مناهج التربية الإسلامية بالمغرب

بين مطلب التعديل وانتظارات المجتمع

الدكتور طارق الفاطمي

مفتش مادة التربية الإسلامية

عضو هيئة تحرير مجلة النداء التربوي

   ينطلق هذا العرض من إشكالية محددة، ألا وهي: إلى أي حد يمكن أن تكون مشاريع الإصلاح التربوي بالمغرب وفق تطلعات نخبه؟ وهل يمكن تصور نجاح الإصلاح دون إشراك تام للنخبة التربوية؟، محاولا وضع هدف محدد للإجابة عن هذا الإشكال مفاده تحديد حاجيات هذه النخبة لكون هذا التشخيص خطوة ولى في طريق الإصلاح.

   وقد تم اعتماد المحاور التالية لعرض مادة المداخلة:

الإطار النظري لتحديد الحاجيات والانتظارات المجتمعية في إصلاح المناهج الدراسية.

الحاجة إلى إصلاح التعليم الديني.

التمثلات حول مضامين التعليم الديني بالمغرب.

إصلاح التعليم الديني بالمغرب مخاوف ومحاذير.

إصلاح التعليم الديني مداخل علمية واقتراحات منهجية.

الإطار النظري لتحديد الحاجيات والانتظارات المجتمعية في إصلاح المناهج الدراسية:

   في هذا المحور يركز الباحث على ضرورة التمييز بين الضروريات والحاجيات، فالأولى رغبات والثانية وسائل لتحقيق الأولى –الرغبات-، والتمييز بينهما كفيل بتحديد نقطة الهدف في مشروع الإصلاح المنشود، بدل خلط الأوراق المفضي لضياع الأوقات والأموال.

   أما من حيث المقاربات المنهجية العلمية في تحديد الحاجيات فيرى الباحث أن الأمر يستلزم اعتماد مقاربة استقرائية وأخرى استنتاجية وأخرى معرفية، كلها مقاربات كفيلة لتشخيص الحاجيات الاجتماعية المستهدفة في عملية الإصلاح.

الحاجة إلى إصلاح التعليم الديني:

   عبرت نسبة كبيرة من الفاعلين التربويين على ضرورة إصلاح التعليم الديني بالمغرب وفق ما ينسجم مع مصلحة المتعلمين ويحقق أهداف هذا التعليم بما يضمن السلامة النفسية والتوازن الفردي، والأمن الروحي للمغاربة.

   وعليه فمجالات الإصلاح في التعليم الديني ستنصب حول ثلاثة مداخل: المضامين العلمية، والاستراتيجيات التربوية المعتمدة، والمقاربات الديداكتيكية.

التمثلات حول مضامين التعليم الديني بالمغرب:

   يمكن تقسيم التمثلات حول مضامين التعليم الديني بالمغرب إلى نوعين:

التشجيع على التطرف والعنف: للأسف قامت بعض الجهات المغرضة بنشر تمثلات سلبية حول التعليم الديني ببلادنا، وهو اتهام منطلق من حكم مسبق مبني على ضعف الاطلاع.

توازن المضامين العلمية وبناؤها للشخصية المعتدلة: في حين ترى النسبة الغالبة في الحقل التربوي أن التعليم الديني أسهم في نشر قيم الاعتدال والشخصية المتوازنة.

إصلاح التعليم الديني بالمغرب مخاوف ومحاذير:

   يمكن إجمال المخاوف والمحاذير التي يخشى أن تتولد أثناء عملية الإصلاح في المخاوف التالية:

التخوف من هيمنة العلماء على عملية الإصلاح.

التخوف من ضعف قدرة وتجربة الفئة الموكول إليها عملية الإصلاح.

التخوف من تحول العملية من عملية مغربية أصيلة إلى عملية غربية مملاة من الخارج.

التخوف من المضامين العلمانية المعادية للقيم الإسلامية.

إصلاح التعليم الديني مداخل علمية واقتراحات منهجية:

   وهذه الملخصات والمقاربات تتلخص فيما يلي:

قراءة التراث الديني وفق الأصول الدينية وتحديده بالنظر إلى الواقع الاجتماعي المعيش.

ضرورة إصلاح المنظومة التعليمية ككل بدل الاكتفاء بمادة التربية الإسلامية، وربط جميع المواد ببعضها وفق الثوابت القيمية.

ضرورة تعزيز مضامين مادة التربية الإسلامية بما يخدم الهوية الإسلامية الأصيلة.

ضرورة الخروج من مجرد مطالبة التلاميذ بالحفظ والاستظهار إلى التحليل والمناقشة ومن تم الابتكار.

وفي نهاية المداخلات قدم الباحثون:  الدكتور عبد الله الجباري والدكتور مصطفى قرطاح والأستاذ عبد السلام الأحمر تعقيبات عليها، قبل فتح باب النقاش للحضور

الجلسة العلمية الثانية

منهاج التربية الإسلامية والتعليم الأصيل

قراءة وصفية تحليلية ومداخل للمراجعة

ترأست الجلسة الأستاذة الدكتورة مريم أيت أحمد أستاذة التعليم العالي بجامعة ابن طفيل، حيث قدمت المداخلات الآتية:

1_N_8_2

المداخلة الأولى

منهاج العلوم الشرعية بالتعليم الأصيل وآفاق التطوير

الأستاذ إدريس علمي

مفتش تربوي منسق جهوي تخصصي

عضو اللجنة الوطنية للتعليم الأصيل

تمهيد:

يعتبر التعليم الأصيل مكونا من المكونات الأساسية في المنظومة التعليمية المغربية، حيث يعد التعليم الوحيد الذي وجد قبل الاستعمار حسب المؤلفات المؤرخة لتلك المرحلة، تحت مسمى التعليم الأصلي، يمتح من أصالة المجتمع المغربي وهويته الإسلامية المتجذرة فيه.

إن التعليم الأصيل بدوره الهام في المحافظة على أصالة الأمة وتحصينها ضد المبادئ الاستعمارية الهدامة ظل يواجه تحديات متعددة في مراحل مختلفة، طبعها المد والجزر إلى أن استوى على سوقه في الصورة الحالية التي نشهدها والتي يفتقر فيها إلى مجهودات كل المتدخلين والمتدخلات لتطويره والحفاظ عليه لأنه جزء من هويتنا وتاريخنا.

فما هي الأسس والمرتكزات التي تأسس عليها منهاج المواد الإسلامية بالتعليم الأصيل؟ وما هي مرجعياته ؟ وهل الضرورة الحالية تفرض مراجعته وتجديده؟

1- الأسس والمرتكزات:

يتأسس منهاج المواد الإسلامية بالتعليم الأصيل بالنظر إلى الوثائق المؤطرة على أساسين اثنين:

أ‌-الميثاق الوطني للتربية والتكوين: ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين من خلال فقرة جد محدودة ضمن الدعامة الرابعة الحديث عن تنظيم التعليم الأصيل وسبل تقويته في المنظومة التعليمية بالمغرب وتطوير آفاقه، جاء فيها ما يلي: ” التعليم الأصيل: – تحدث مدارس نظامية للتعليم الأصيل من المدرسة الأولية إلى التعليم الثانوي مع العناية بالكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة وتطويرها وإيجاد جسور لها مع مؤسسات التعليم العام. – تنشأ مراكز متوسطة لتكوين القيمين الدينيين، وتراجع التخصصات بناء على المتطلبات الآنية والمستقبلية. – يقوى تدريس اللغات الأجنبية بالتعليم الأصيل. – تمد جسور بين الجامعات المغربية ومؤسسات التعليم العالي الأصيل وشعب التعليم الجامعي ذات الصلة على أساس التنسيق والشراكة والتعاون بين تلك المؤسسات”.

ب‌- الفلسفة التربوية المؤطرة لعملية مراجعة المناهج والبرامج: يمكن استجلاء العناصر المكونة لهذه الفلسفة عبر استقراء التوجيهات التربوية المنظمة للتعليم الأصيل في مختلف أسلاكه في العناصر الآتية:

بناء المناهج على أساس القيم المرجعية للمجتمع المغربي.

تكوين مواطن قادر على التفاعل والتكيف مع المتغيرات المجتمعية.

اعتبار مراجعة المناهج والبرامج المؤسسة على دراسات تربوية ميدانية أساسا لتحسين جودة التعلمات وللارتقاء بأداء المنظومة التربوية، وورشا مفتوحا يتطلب التتبع والتقويم المستمرين.

2- المرجعيات:

يرتكز منهاج المواد الإسلامية بالتعليم الأصيل على مرجعيات أساسية تؤسس منها التوجيهات والبرامج ومختلف آليات التنزيل وقد حصرتها الوثائق المنظمة في ثلاث:

مرجعية ثقافية: تعزيز معرفة المتعلم بمقومات الهوية الإسلامية العربية لبلده، وكذا مقومات الخصوصية المغربية بكل مكوناتها.. وربط المتعلم بمحيطه الاجتماعي والاقتصادي في انفتاح على ثقافة العصر.

مرجعية بيداغوجية: من خلال تعزيز القيم وتنمية الكفايات وتربية المتعلم على ثقافة الاختيار، والاعتماد على مبدأ تنويع المقاربات البيداغوجية في أنشطة التعليم والتعلم بما يحقق الأهداف والكفايات المتوخاة.

مرجعية ديداكتيكية: من خلال تنويع الأنشطة التعلمية والتفاعلية وترسيخها.

3- مميزات ومواصفات المنهاج الدراسي بالتعليم الأصيل:

يتغيى التعليم الأصيل الجديد من خلال أسلاكه الثلاثة بلوغ كفايات نوعية محددة عبر مضامين معينة:

أ‌-السلك الابتدائي:

من خلال تتبع المنهاج الدراسي للتعليم الأصيل بالسلك الابتدائي يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

تحديد أهداف في المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي لا تنسجم مع خصوصية المتعلم وقدراته (استكمال حفظ القرآن الكريم كاملا عند نهاية السلك الابتدائي).

تلقي المتعلم لمواد معرفية تفوق قدرته العقلية والنفسية (دروس الحج مثلا).

غياب حصر القيم التي يتغياها المنهاج الدراسي للتعليم الأصيل بالسلك الابتدائي.

كثرة المواد الدراسية بسلك التعليم الأصيل حيث يتلقى بالإضافة إلى مكونات التعليم الابتدائي الأصيل مواد التعليم الابتدائي العمومي.

ب‌ السلك الثانوي الإعدادي:

يهدف منهاج مواد التعليم الأصيل بالسلك الثانوي الإعدادي إلى تحقيق جملة من الكفايات والقيم والتدريب على مهارات محددة من خلال مضامين معينة، ومن خلال تتبعها نسجل الملاحظات الآتية:

تلقي المتعلم لمواد معرفية تفوق قدرته العقلية والنفسية (مباحث العقيدة).

تركيز المنهاج الدراسي على الجانب المعرفي دون موازنته مع المستويات المهارية والقيمية للمتعلم.

كثرة المواد الدراسية بسلك التعليم الأصيل حيث يتلقى بالإضافة إلى مكونات التعليم الإعدادي الأصيل مواد التعليم الإعدادي العمومي.

ج- التعليم الثانوي التأهيلي:

يكتسي منهاج المواد الإسلامية للتعليم الأصيل أهمية بالغة في تكوين المتعلم معرفيا وتربويا وبناء شخصية متوازنة. وقد راعى منهاج هذا السلك تحقيق مجموعة من الكفايات والقيم والمهارات من خلال محتويات ومضامين محددة. لكن بالنظر إلى منهاج التعليم الأصيل بالسلك الثانوي التأهيلي يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

تلقي المتعلم لمواد تفوق قدراته العقلية والنفسية (الفرائض على سبيل المثال).

كثرة المواد الدراسية بسلك التعليم الأصيل حيث يتلقى بالإضافة إلى مكونات التعليم الثانوي الأصيل مواد التعليم الثانوي التأهيلي العمومي.

إدراج مواد لا تناسب خصوصية المتعلم النفسية والاجتماعية والعقلية (التوقيت على سبيل المثال).

4- مداخل المراجعة والتجديد:

إذا كان منهاج المواد الإسلامية بالتعليم الأصيل كم تم توضيحه على وجه الإجمال، فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل استنفذ المنهاج أهدافه وغاياته ومراميه؟ هل استكملت جميع مراحل تنزيله؟ وهل استوفت شروط مراجعته وتجديده؟

كل هذه الأسئلة وغيرها لا تعالج بالقرارات والرؤى غير المؤسسة على دراسات تربوية ميدانية تكشف مواطن الخلل لكي تسهم بفعالية لمعالجتها، لذا فإن جوابي سيركز على مداخل عامة لتجديد ومراجعة جل المناهج التعليمية. ويمكن حصر مداخل المراجعة والتجديد في العناصر الآتية:

1-علاقة المنهاج بالمشروع السياسي المجتمعي.

2-الحاجات التربوية للفئات المستهدفة.

3-تأسيس مراجعة المناهج والبرامج على مقاربة تقويمية شاملة للمناهج القائمة.

4-الاستناد إلى نتائج البحث العلمي والتربوي في تحديد الخيارات والتوجيهات العامة للمناهج التربوية.

5-اعتبار البعد القيمي خيارا استراتيجيا في بناء المناهج والبرامج.

المداخلة الثانية

الدعوة إلى مراجعة منهاج مادة التربية الإسلامية

منطلقات، وملاحظات، واقتراحات

الدكتور ربيع حمو

مفتش مادة التربية الإسلامية

مدير المركز الدولي للأبحاث والدراسات العلمية والتربوية

عرفت الساحة الإعلامية والتداول العمومي في الأيام الأخيرة نقاشا في ضوء دعوات رسمية وغيرها لمراجعة ما سمي ب” التربية الدينية”؛ ويسعى هذا المقال إلى تأسيس منطلقات – أراها –ضرورية لتدبير هذا النقاش، ثم أسجل ملاحظات بخصوص الدعوة وما واكبها، مع تقديم بعض المقترحات.

منطلقات رئيسة:

– تطوير المناهج التعليمية مطلب مشروع في ظل منظومة تعاني مشاكل مركبة، لكن اجتزاء مكون منها – أي مناهج التربية الإسلامية والعلوم الشرعية – يتطلب مسوّغا مشروعا وتوسيع مجالات التجديد والتطوير بناء على تشخيص علمي يتأسس على الأسس الاجتماعية وحاجات المتعلمين النفسية؛

– مناقشة هذا الموضوع لا بد أن يتم بمنأى عن النقاش الإيديولوجي والاستقطاب كيفما كان نوعه؛ لأن القضية ترتبط بالمدرسة المغربية، فمراعاة المصلحة الوطنية هي التي ينبغي استحضارها ابتداء؛

– إن النقاش في هذا الموضوع يقتضي العلمية في التناول، واستحضار واقع مناهج التربية الإسلامية ومضامينها وقيمها، وطرق تدريسها المعتمدة من خلال المرجعيات والوثائق الرسمية بعيدا عن التمثلات والأحكام التي يُعوزها الدليل وتفتقد للحجة.

ملاحظات حول دعوة مراجعة مناهج التربية الإسلامية:

الملاحظة الأولى: قراءة في عنوان الدعوة

تعد مادة التربية الإسلامية من مكونات المنهاج التعليمي المغربي؛ أما على مستوى التسمية فقد اختار الكتاب الأبيض باعتباره التنزيل التربوي للميثاق الوطني للتربية والتكوين – الذي لا يزال يعد الوثيقة العليا للسياسة التعليمية المغربية – مصطلح ” التربية الإسلامية ” باعتبارها مادة تربوية وتعليمية؛ أما على المستوى التداولي فتتبع الرأي العام قبل أشهر تداول مصطلح ” التربية الدينية” في بعض مشاريع وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني في سياق تنزيل التدابير ذات الأولوية؛ لكن ذلك الاستعمال لقي استهجانا كبيرا من قبل الفاعلين والمتتبعين من مفتشين وأساتذة وفاعلين تربويين وجمعيات مهنية وهو ما جعل الوزارة تتنبه للأمر وتعدل عن التسمية (1)؛ لكن الدعوات الأخيرة أعادت تداول مفهوم “التربية الدينية”، وهو تداول تَرِد عليه اعتراضات عدة منها:

أن مفهوم التربية الدينية يحمل مضمونا يختزن إبهاما وغموضا من حيث الدلالة بخلاف مفهوم التربية الإسلامية؛

أن إدماج المواد الشرعية المُدَرّسة في التعليم الأصيل والتعليم العتيق ضمن الدعوة إلى مراجعة مناهج “التربية الدينية” لا يستقيم منهجيا لأنها مواد ذات طبيعة علمية تعليمية بالأساس؛

يؤكد الخطاب الرسمي على أنه يسعى إلى تكريس المقاربة التشاركية منذ اعتماد وثيقة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فكيف يستقيم تبديل تسمية مادة دراسية لها خصوصية كبيرة، في غياب نقاش وإجماع وطني.

لذلك ينبغي الحديث عن مادة التربية الإسلامية في قطب التعليم العام، والمواد الشرعية في كل من قطب التعليم الأصيل والتعليم العتيق دفعا لما يمكن أن يجر إليه مصطلح ” التربية الدينية” من نقاش وصراع وتناقضات قد تُشَوش على الدعوة إلى التطوير بما يخدم المجتمع ويستجيب لمختلف التحديات الراهنة.

الملاحظة الثانية: قراءة في قيم ومضامين منهاج التربية الإسلامية

إن قراءة متفحصة لمنهاج التربية الإسلامية بكل من الثانوي الإعدادي والتأهيلي يجد أن المادة اختارت المدخل التربوي القيمي فانتظمت البرامج الدراسية في وحدات تربوية ( وحدة التربية الاعتقادية – وحدة التربية التعبدية – وحدة التربية التواصلية – وحدة التربية الحقوقية – وحدة التربية البيئية – وحدة التربية الجمالية….)؛ وقد كان هدف التشبع بقيم الإسلام الأصيلة والمنهج الوسطي، وتمثل قيم الاعتدال والتسامح من موجّهات بناء المنهاج، فمن مواصفات المتعلمين التي تهدف المادة إلى تحقيقها أن يصير المتعلم ” قادرا على معرفة ذاته المتشبعة بالقيم الإسلامية المتسامحة والقيم الحضارية، وقيم المواطنة، وحقوق الإنسان، وبلورة ذلك في علاقته مع الآخرين”(2)

كما أن المقاربات البيداغوجية المعتمدة في تدريس المادة ترتكز على الباراديغم السوسيوبنائي المؤسس لمنظور الكفايات والذي يضع المتعلم في سياق بناء تعلماته انطلاقا من تمثلاته وخصوصيات واقعه الاجتماعي فيسعى الدرس عبر مختلف مراحله إلى الإجابة عنها، فدرس مادة التربية الإسلامية في الثانوي التأهيلي ينطلق من وضعيات مشكلة قريبة من الواقع، ثم يسعى المتعلم خلال الدرس النظري والتطبيقي إلى اكتساب معارف ومهارات تمكنه من الإجابة عن المشكل المطروح، والإجابة يتم التعبير عنها في درس الأنشطة الذي يتخذ أشكالا متعددة لكنها في مجملها تسعى إلى الارتقاء بكفايات المتعلم التواصلية، وتجعله أكثر انفتاحا وإيجابية، وتدربه ليكون عنصرا فاعلا مسهما في بناء وطنه. ويكفي في هذا السياق أن أشير على سبيل المثال إلى الأنشطة التي يقترحها أحد كتب مادة التربية الإسلامية في السنة أولى باكلوريا لتتجلي لنا طبيعة المتعلم الذي تسعى المادة إلى تكوينه: إنجاز ندوة – إنجاز ندوة استجوابية – تنظيم مناظرة – عمل الورشات – إعداد مطوية – إنجاز مشروع.

إن تأملا بسيطا علميا ومنصفا لواقع هذا المنهاج يدرك الرؤية التربوية الرفيعة المؤطرة له من حيث المواضيع وطبيعة الأنشطة، وامتدادات المادة وتكاملها مع باقي مواد المنهاج الدراسي.

الملاحظة الثالثة: ضرورة التطوير والتجديد

إن ما سبق من عرض مقتضب لواقع منهاج المادة لا يعني استغناءها عن التطوير والتجديد، بل التطوير والتجديد ضرورة ملحة حتى تظل المناهج التعليمية مسايرة للواقع وتحدياته، خصوصا أن مادة التربية الإسلامية تجيب عن حاجة ملحة لدى المتعلمين، فإذا لم يفهم المتعلم دينه من خلال مناهج علمية وذات جودة عالية سيسعى إلى إشباع تلك الحاجات بطرق أخرى ومنها الأنترنيت في غياب أية حصانة، وهذا ما يستدعي تعزيز مكانة المادة في المنظومة.

ختاما:

إن ترشيد النقاش الدائر الآن في نظري يقتضي ما يلي:

إدارة نقاش مجتمعي هادئ يحفظ هوية البلد ويراعي مصلحته ويغني مساحات التوافق؛

الحفاظ على مصطلح ” التربية الإسلامية ” في قطب التعليم العام لما يشكل من محط إجماع، ولما يستمده من مشروعية وثائقية ومجتمعية؛ ودفعاً لتأويلات قد لا تكون مقصودة بالمراجعة؛

التشخيص الدقيق لمكامن التطوير الملحة في برامجها بمنهجية علمية رصينة؛

تحديد الحاجيات المجتمعية من المادة ليجيب عنها المنهاج؛

التكوين الرفيع الأساس والمستمر لأساتذتها وتوفير العدد الكافي من

المشرفين التربويين؛

أن يكون من المشاركين في هاته العملية – تشخيصا واقتراحا – خبراء

المادة من مفتشين وباحثين متخصصين.

الهوامش:

دعت الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية في توصيات مجلسها الوطني الأخير المنعقد بتاريخ 10 يناير 2016، إلى ” التشبث بمصطلح ” مادة التربية الإسلامية ” في المنهاج التعليمي المغربي في كل أطواره.

التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة التربية الإسلامية بالسلك الثانوي التأهيلي، مديرية المناهج، نونبر 2007، ص: 6.

المداخلة الثالثة

التربية الاسلامية بين البناء وإشباع الحاجات

ومواجهة التحديات

الدكتورمحمد بولوز

أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالرباط

عضو المكتب الوطني للجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية

إن إصلاح المناهج والبرامج حاجة مستمرة وضرورة قائمة كلما استنفذ التغيير السابق أغراضه وتولدت مستجدلت موجبة، شريطة التمييز بين الثابت والمتغير، فيثبت الأول مع تجديد في شكله وتنويع في أساليبه ووسائله، ويستبدل الثاني بما يناسب، على أن عملية الاصلاح تستدعي شروطا فيمن يتولون الاصلاح مثل:العلم بالدين الاسلامي، العلم بطبيعة المتعلمين والفئة المستهدفة، العلم بالمحيط وطبيعة الزمان والعصر الذي يراد فيه التغيير والاصلاح، العلم بتنوع مداخل الاصلاح وشموليتها، اعتماد أحسن وأجود وسائل التأثير وتحقيق المقاصد والكفايات..وفيما يلي رؤوس أقلام وبعض الخطوط العريضة أوالمداخل التي وجب استحضارها في عملية إصلاح مناهج التربية الدينية الاسلامية سواء في عملية البناء أو طبيعة التحديات التي يروم المنهاج علاجها أو طبيعة المخرجات المنشودة:

1 – العناية في التربية الاسلامية بعملية البناء

وذلك باعتماد المداخل التالية:

مدخل المعلوم من الدين بالضرورة: (العقائد، العبادات، المعاملات، الاخلاق) (أي سماع ما ورد في الشرع من خبر أوأمر أونهي ملخصا ومبسطا في التعليم الأساسي، ويكون عرضا متوسطا في المستوى الثانوي الاعدادي والتأهيلي، ومعمقا متجاوزا للمعلوم من الدين بالضرورة في التعليم العالي للمتخصصين سواء كان تخصصا شرعيا أو تخصصا حياتيا يضبط جميع ما ورد في الشرع في تخصصه فيعرف المحامي قول الشرع وميزانه فيما هو مقدم عليه وكذلك الطبيب والمهندس وغيرهم)، والرؤية الحاكمة في هذا المدخل هو تأهيل المتعلمين للإقامة الفرائض واجتناب الكبائر والاجتهاد في الخيرات والمكرمات، مع الآثار الاجتماعية المناسبة لذلك.

مدخل المقاصد والكليات الشرعية: (العبادة، السعادة، العدل، الأمن، العدالة الاجتماعية، الاحسان، الرحمة، الهداية، إقامة الدين وإصلاح المجتمع..) ثم (التأهيل للمساهمة في الحفاظ على:الدين، حرمة النفوس، حفظ العقول من التدمير المادي(المخدرات..) والمعنوي، حفظ النسل والعرض(الزواج والعناية بالأسرة، العفة والبعد عن الفواحش والتحصين ضد الميوعة والانحلال)، حفظ المال(كسبه تنميته واعتماد ميزان الحلال والحرام) والرؤية الحاكمة في هذا المدخل هو التحقق بالحياة الطيبة في هذه الدنيا والنجاة يوم القيامة وإقامة دين الله وحفظ المصالح الدنيوية والأخروية.

مدخل القيم الفردية والجماعية والعابرة لهما:(الإيمان الراسخ،العلم النافع،العمل الصالح،الدعوة والرسالية،البذل والتضحية)+(العناية بالهوية والأصالة، الشورى والديموقراطية، العدل والعدالة، التنمية والنهضة، التوحيد والوحدة)+(الإخلاص والتوحيد، الاستقامة وسلامة المنهج، الأخوة والتعاون، القوة في الخير، التوبة والتجديد) والرؤية الحاكمة في هذا المدخل وضوح البوصلة من خلال معالم فردية وجماعية وكفايات متى تحققت تحقق معها خير الفرد والجماعة.

مدخل الواجبات والحقوق، الفردية والجماعية، العينية والكفائية، الدينية والدنيوية وإشباع حاجات المتعلمين وحاجات المجتمع بالتأهيل في العلاقات المتعددة (مع النفس، مع الله، مع الناس(المسلم وغير المسلم)، مع الحياة الدنيا، مع الكون، مع الاخرة) مع مراعاة مراحل:الطفولة، المراهقة، الشباب.. والقيام بفروض الكفاية (والتأهيل للمسؤوليات مع القرابة والجوار والعمل ثم مع المؤسسات) والرؤية الحاكمة في هذا المدخل تحديد المسؤوليات والبدء بالنفس لأداء الواجبات قبل المطالبة بالحقوق واستحضار أبعاد المسؤولية الشمولية لمصالح الدنيا والآخرة.

2 – العناية في التربية الإسلامية بمواجهة التحديات

مدخل التحديات الداخلية (الشرك، الاستهانة بالنفوس والأرواح، الجهل، الغلو والتطرف، التكفير بغير حق، البدع والخرافة، الفكر التجزيئي، الميوعة والانحلال والتحلل من الالتزامات، الاستبداد والتحكم، الظلم، التفرقة والعنصرية، الكسل والتخلف، الاستهانة بالوقت وبالنظام والنظافة..الرشوة والمحسوبية وأكل أموال الناس بالباطل، قطع الرحم..

مدخل التحديات الخارجية (حصر العناية والاهتمام بالدنيا فقط، التنصير، التشيع، الالحاد، العدوان، التقليد الأعمى بغير بصيرة).

3 – العناية في التربية الاسلامية بالمخرجات الراشدة

وذلك بتخريج ذوي الكفايات التالية:

الرباني العليم (له صلة قوية بربه، يعبده ويطيعه على علم وبصيرة ويهتدي في حياته وعلاقاته كلها بصراطه المستقيم)

القوي الأمين (له قوة في الايمان والعلم والعبادة والعمل الصالح وفعل الخير والدعوة إلى الله والبذل والتضحية وقوة في المال والبدن ويجمع بين الكفاءة والأمانة في تولي المهام والمسؤوليات ..)

المجاهد الحكيم (يجاهد نفسه وهواه ليستقيم على الحق والخير ويجاهد الباطل والفساد والظلم من حوله بحكمة وتؤدة في إطار من العلم الراشد والاجتهاد الرزين والمشروعية المعتبرة والمصلحة المقدرة )

المغربي الأصيل (يعتز بجذوره وتاريخه وحضارته ولغاته، وله غيرة قوية على وطنه وأمته، ويعيش زمانه وتحدياته، وينفتح على الحكمة البشرية ويشع بالخير على الانسانية )

بعد ذلك قدم تعقيبات على هذه المداخلات كل من الدكتورة فاطمة أباش مفتشة مادة التربية الإسلامية، والكاتبة المحلية لفرع الجمعية بخريبكة، والأستاذ  رشيد البقالي طالب مفتش وكاتب فرع الجمعية بوزان،  والأستاذ خالد البورقادي مفتش منسق جهوي لمادة التربية الإسلامية بأكاديمية الشرق، تلاها فتح باب النقاش لجمهور الحضور.

الجلسة الختامية

image4-1

وفي الجلسة الختامية التي أدارها الدكتور زكرياء السرتي مدير عام شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات قدم كل من رئيس الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية ومدير المركز الدولي للأبحاث والدراسات العلمية والتربوية كلمة شكر وامتنان لجميع من ساهم في إنجاح هذا اليوم الدراسي من الجهات المنظمة ومركز مهن التربية والتكوين المحتضن للنشاط، والسيد مدير المناهج بوزارة التربية الوطنية والمساهمين في التأطير العلمي بالمداخلات والتعقيبات، والمشاركين بالحضور والمناقشة وتقديم مقترحات وتوصيات والتي كان من أهمها استجماع خلاصات اليوم الدراسي واقتراحاته، ثم رفعها إلى كل من وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

كما وزعت شهادات شكر وتقدير على جميع المشاركين.

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons