تربيتنا والتراث

العلاقات التربوية من خلال مقدمة المجموع شرح المهذبللإمام النووي

الإطار المعرفي لكتاب “المجموع” للنووي: في المذهب الحنفي والمذهب المالكي (الحلقة 01)

image

إنجاز: حسن لمعنقش

مفتش مادة التربية الإسلامية

مقدمة

    هذا البحث حول (العلاقات التربوية من خلال مقدمة “المجموع” للإمام النووي رحمه الله).

    وكتاب “المجموع شرح المهذب” حصيلة جهود ثلاثة من العلماء في عصور مختلفة: النووي والسبكي ثم المطيعي.

    وفي هذا البحث سيتم التركيز على ما جاء في المقدمة التي وضعها الإمام النووي رحمه الله “للمجموع”- من آراء تتعلق بالعلاقات التربوية. والأمر جدير بالاهتمام، خاصة وأن تلك العلاقات – بين المدرس والتلميذ مثلا- ليست الآن “تربوية” بالمرة في مؤسساتنا التعليمية! بالإضافة إلى ذلك فإن الإمام النووي عمل هو أيضا بالتدريس في المدرسة الأشرفية وتلقى عنه العلم كثيرون.

    لأجل ذلك، تطلبت منهجية البحث تقسيمه إلى مدخل وقسمين: انصب المدخل على تحديد الإطار المعرفي لكتاب “المجموع”، والقسم الأول على كتاب “المجموع” نفسه من حيث أصله (أي المهذب) ومصنفه الأول (النووي) ومنهج شارحيه الثلاثة السابق ذكرهم، ثم قصة نشره. أما القسم الثاني، فقد اهتم بالعلاقات التربوية من خلال مقدمة الكتاب، مركزا على نص للإمام النووي مضمونه يجري حول العلاقة بين المعلم والمتعلم، من خلال الكلام عن آداب الأول.

    وغني عن البيان أن قراءتنا لذلك النص لا تدعي لنفسها الإطلاق والوثوقية، بل هي قراءة، من قراءات متعددة حاولت – قدر الإمكان- أن تبقى وفية للمدار المعرفي لصاحب النص.

    أما خطة البحث فهي كالتالي:

    *الإطار المعرفي لكتاب “المجموع” للنووي:8_01

    أ- في المذهب الحنفي.

    ب- في المذهب المالكي.

    ج- في المذهب الشافعي.

    د- في المذهب الحنبلي.

    *القسم الأول: كتاب “المجموع شرح المهذب”:

    – المهذب وصاحبه.

    – المجموع وصاحبه.

    *القسم الثاني: العلاقات التربوية من خلال مقدمة “المجموع” للإمام النووي:

    – مقدمة.

    – النص.

    – تعليق على النص.

    – قراءة النص:

    أ- تجرد المعلم من الطمع في نيل شيء من التلميذ.

    ب- استفادة المعلم من التلميذ.

    ج- علاقات المعلم الإنسانية مع التلميذ.

    د- العلاقة من خلال الدرس.

    – خاتمة.

    والله سبحانه وتعالى أسأل أن يوفقنا للخير، إنه سميع مجيب، وبالإجابة جدير.

مدخل: الإطار المعرفي لكتاب “المجموع” للنووي

“المجموع شرح المهذب” من أكبر المراجع الفقهية في المذهب الشافعي خاصة، وفي الفقه الإسلامي عامة. بل يعتبر هذا الكتاب من ذخائر الفقه الإسلامي المقارن، إذ استقصى فيه النووي رحمه الله – ومن بعده السبكي والمطيعي المحقق والمكمل- آراء المذاهب الفقهية، واستوعب أدلتها مع ذكر الترجيح بين تلك الآراء.

   والمعلوم أن كل مذهب من المذاهب تميز بكتب خاصة به، وفيما يلي بعض توضيح لذلك:

    أ- في المذهب الحنفي   

يعتبر فقهاء الحنفية أول من قعدوا القواعد للإفتاء، وساروا على منهج طرح الأسئلة المستقاة من الوقائع والأحداث القائمة بالفعل أو التي يفترض وقوعها الممكن نظريا، وذلك فيما يسمى بالفقه الافتراضي. وقد كانوا الأوائل نظرا لتقدم زمانهم التاريخي ولتولي أوائل علمائهم مناصب القضاء وجباية الخراج وتحصيل الأموال ودار الشرطة… فكانت تطرح عليهم أسئلة كثيرة تتطلب البت فيها والجواب. ونجد فقههم مبثوثا في كتب ليست في مستوى واحد من حيث قوة الرواية، بالإضافة إلى ما أضافه المتأخرون من فقهائهم من فتاوي وتخريجات على المادة الفقهية التي وصلتهم عن أئمتهم. ولذلك فالكتب في المذهب الحنفي هي كالتالي:

1- الأصول: وهي المروية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، وتشمل كتب هذا الأخير، والتي هي ستة: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير، والسير الصغير. وتعرف هذه الكتب بكتب ظاهر الرواية.

2- النوادر: وهي مروية عن الطبقة الأولى لكن في غير الكتب الستة، بل في كتب أخرى لمحمد بن الحسن، وتشمل: الهارونيات والكيسانيات والجرجانيات والرقيات (1)، وتسمى كتب غير ظاهر الرواية. وأضيف إليها كتب غيره كزفر والحسن بن زياد وغيرهما…وزاد بعضهم كتب الأمالي (2) لأبي يوسف رحمه الله.

   3- الواقعات: وتتضمن مسائل استنبطها المتأخرون من فقهاء الأحناف لما لم يجدوا فيها رواية عن المتقدمين من أهل المذهب، وقد ذكر ابن عابدين بعض هؤلاء المتأخرين [من أصحاب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله مثل عصام بن يوسف وابن رستم ومحمد بن سماعة وأبي سليمان الجوزجاني وأبي حفص البخاري ومن بعدهم مثل محمد بن مسلمة ومحمد بن مقاتل ونصير بن يحيى وأبي النضر القاسم بن سلام. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت ](3))

    إن الكتب الستة السابقة لمحمد بن الحسن رحمه الله قام أبو الفضل محمد بن أحمد المروزي المشهور بالحاكم الشهيد (ت 344 هـ) بجمع ما جاء فيها مع حذف المكرر من مسائلها في كتاب شرحه جماعة من العلماء منهم محمد بن أبي سهل المعروف بشمس الأئمة السرخسي (ت 483 ه)، وشرحه يسمى “المبسوط”، صنفه وهو في السجن. يوضح رحمه الله دواعي تصنيفه لهذا الكتاب بقوله: [ ثم إني رأيت في زماني بعض الإعراض عن الفقه من الطالبين لأسباب، فمنها قصور الهمم لبعضهم حتى اكتفوا بالخلافيات من المسائل الطوال، ومنها ترك النصيحة من بعض المدرسين بالتطويل عليهم بالنكات الطردية التي لا فقه تحتها، ومنها تطويل بعض المتكلمين بذكر ألفاظ الفلاسفة في شرح معاني الفقه وخلط حدود كلامهم بها، فرأيت الصواب في تأليف شرح المختصر لا أزيد على المعنى المؤثر في بيان كل مسألة اكتفاء بما هو المعتمد في كل باب. وقد انضم إلى ذلك سؤال بعض الخواص من أصحابي زمن حبسي، حين ساعدوني لا أنسى، أن أملي عليهم ذلك فأجبتهم إليه ](4).

   والملاحظ أن معظم الفقهاء المشارقة استعملوا لفظ “الفتاوي” أكثر من المغاربة الذين عبروا عنها بلفظ “النوازل”. وقد استعمل الأحناف هذا اللفظ أيضا.فقد كان أول ما جمع فتاويهم كتاب “نوازل أبي الليث السمرقندي”، ثم “مجموع النوازل والواقعات” للناطقي… إلا أن الذين توسعوا في استعمال “النوازل” هم فقهاء المالكية.

    ب- في المذهب المالكي

   كان مالك رحمه الله [إذا أتاه الناس -كما يقول مطرف- خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا: المسائل، خرج إليهم وأفتاهم](5). فكان رضي الله عنه تطرح عليه المسائل، فإما يجيب، وإما يقول للسائل لا أدري. قال موسى بن داود: [ما رأيت أحدا من العلماء أكثر أن يقول لا أدري أحسن من مالك](6).

    وقد عرف عن مالك رحمه الله رفض الجواب عن الأسئلة الافتراضية، أو الانشغال بالمسائل النظرية، فلا يفتي إلا فيما يقع من المسائل، ويتمثل بالحديث الشريف أنه عليه الصلاة والسلام “نهى عن الأغلوطات” (7). ووصف أحد الشعراء مجلسه فقال:

    يأبى الجواب فما يراجع هيبة      والسائلون نواكس الاذقان

    أدب الوقار وعز سلطان التقى    فهو المطاع وليس ذا سلطان(8)

    وقد كان أصحابه يهابون من الإكثار من طرح الأسئلة عليه، لذلك لما قدم أسد بن الفرات على مالك، دفعه أصحاب مالك رضي الله عنه إلى الإكثار من الأسئلة عليه. قال ابن الفرات يصف ذلك:[ كان ابن القاسم وغيره من أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة، فإذا أجاب يقولون: قل له: فإن كان كذا؟ فأقول له، فضاق علي يوما فقال لي: هذه سليسلة بنت سليسلة إ  إن أردت هذا فعليك بالعراق] (9).

    وقد وضع أسد بن الفرات – بعد ذلك- كتابه “الأسدية” الذي يتضمن أسئلة وأجوبة مستخلصة من أقوال مالك رحمه الله وأقوال أصحابه، وهو الكتاب الذي أعاد “سحنون” النظر فيه بعرضه على “ابن القاسم” الذي أثبت منها البعض ومحا آخر. وهكذا ظهرت “المدونة” التي أصبحت عمدة المذهب المالكي في الفتاوي وفي فقه النوازل. وقد اشترط أئمة المالكية شرطين في الكتب التي تعتمد في المذهب، هذان الشرطان هما:

1ـ صحة نسبتها إلى مؤلفيها بالسند الصحيح.

2- صحتها في نفسها، أي موافقتها لما يجب العمل به

    ومن هذه الكتب التي يتوفر فيها الشرطان:

الموطأ لمالك رحمه الله.

“المدونة” لسحنون بن حبيب التنوخي، ومختصراتها مثل “مختصر ابن أبي زيد القيرواني” و”التهذيب في اختصار المدونة” لخلف بن أبي القاسم الأزدي (البرادعي).

“النوادر والزيادات” لابن أبي زيد القيرواني.

“العتبية” أو “المستخرجة” التي اهتم بها الأندلسيون، وكان ابن رشد رحمه الله من شراحها، وهي لمحمد العتبي.

“الواضحة” لعبدالملك بن حبيب السلمي.

“الموازية” لمحمد بن إبراهيم الإسكندري المعروف بابن المواز.

“الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة” لإبن شاس.

“التلقين” للقاضي عبدالوهاب.

“التفريع” لابن الجلاب.

“الرسالة” للقيرواني.

“التبصرة” لأبي الحسن علي بن محمد اللخمي، وهو تعليق كبير على المدونة.

– “الإعلام بنوازل الأحكام” للقاضي أبي الإصبغ عيسى بن سهل القرطبي.

– كتب أبي الوليد بن رشد الجد مثل: “البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل” و”المقدمات الممهدات”.

   – “الجامع” لأبي بكر محمد بن عبدالله بن يونس الصقلي، وهو كتاب جامع لمسائل المدونة والنوادر، كان يسمى “مصحف المذهب” لصحة مسائله والثقة بصاحبه الذي هو أحد الأربعة الذين اعتمد خليل ترجيحاتهم.

– مختصر ابن الحاجب: “جامع الأمهات” وشروحه، خاصة شرح ابن رشد القفصي، وشرح عبدالسلام الهواري وشرح خليل (التوضيح).

  -مختصر الشيخ خليل، ومن شروحه المعتمدة:

 * شرح بهرام بن عبدالله، قاضي القضاة بمصر.

 * شرح أبي عبدالله محمد بن محمد الحطاب.

 * شرحان للمواق.

  وقد قرر القرافي رحمه الله[حرمة الفتوى من الكتب التي لم تشتهر بعزو ما فيها إلى الكتب المشهورة، أو يعلم أن مصنفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة وهو موثوق بعدالته ](10). ومن هذه الكتب التي تحرم  الفتوى منها عند المالكية:

– الأجوبة المنسوبة لابن سحنون.

   – التقريب والتبيين المعزو لابن أبي زيد.

   – الدلائل والأضداد المنسوب لأبي عمران الفاسي.

   – أحكام ابن الزيات.

  – أجوبة القرويين.

    وهي كلها باطل وافتراء.

  ولأئمة المالكية اصطلاح خاص في التزام ما ورد عن أئمتهم من أقوال فقهية، هذا الاصطلاح هو: [ يفتى بقول مالك في الموطإ، فإن لم يوجد فبقوله في المدونة، فإن لم يوجد فبقول ابن القاسم فيها، وإلا فبقوله في غيرها، وإلا فبقول غيره في المدونة، ثم بأقوال أصحاب المذهب على ما بينهم من تفاوت في الرواية والترتيب… وعللوا ذلك بأن مالكا هو إمام المذهب، وأن ابن القاسم أعلم بالمذهب، وأن ما في المدونة يقدم على ما في غيرها لما هي عليه من الصحة والاعتماد. وعن بعض الشيوخ أن الناس إذا اختلفوا عن مالك فالقول ما قاله ابن القاسم…وقال الباجي: لا يخرج عن قول ابن القاسم مهما وجد ](11).

    وتأسيسا على هذا الاصطلاح، ازدهر فقه النوازل لدى المالكية ازدهارا قد لا نجد له مثيلا عند علماء المذاهب الأخرى، وكثرت الكتب في النوازل كثرة جعلت أحد المهتمين يقضي خمسة أيام كاملة من صباحها إلى مسائها في خزانة عامة يتصفح فقط كتب النوازل الموجودة على الرفوف أو المسطورة ضمن فهارس الخزائن الأخرى، ويقول هذا الباحث:[ولقد ساقتني الأقدار يوما على وجه الصدفة إلى النزول في أحد السراديب -وأحتفظ الآن بتعيين موقعه- فرأيت به من جملة ما رأيت مجلدات ضخمة مصفوفة على رفوف هناك، فحزرت عددها بما يفوق الخمسين مجلدا، وعلمت ممن كان هناك أنها تحتوي على نوازل وقضايا… وأن الأحداث قد تجاوزتها، وأن أصحابها القائمين عليها قد انصرفوا عنها إلى مهام أخرى جديدة، فركموها هناك على أنها من مخلفات الماضي… ولم أملك أمام ما رأيت إلا أن غصصت بريقي وطويت كشحي…ومضيت لطياتي كما مضى الآخرون ](12)

الهوامش

  1. الهارونيات: هي المسائل التي أملاها محمد بن الحسن في زمن هارون الرشيد، والكيسانيات هي المسائل الفقهية التي رواها عن محمد بن الحسن تلميذه شعيب بن سليمان الكيساني، وتسمى كذلك الأمالي،  والجرجانيات هي المسائل الفقهية التي رواها عنه تلميذه الشيخ الثقة علي بن صالح الجرجاني، أما الرقيات فهي مسائل وأقضية وآراء لمحمد بن الحسن، جمعها حين تولى قضاء الرقة، رواها عنه تلميذه محمد بن سماعة الذي كان معه طوال إقامته هناك.
  2. الأمالي: جمع إملاء، وهو أن يقعد أحد العلماء وحوله تلامذته بالمحابر يكتبون ما يقوله من علم، ثم يجمعون ما كتبوه في كتاب يسمى الإملاء والأمالي.
  3. “رسالة المفتي”، نقلا عن الشيخ كامل محمد محمد عويضة، “الإمام أبو حنيفة فقيه أهل العراق وإمام أصحاب الرأي”، ص163
  4. السرخسي، “المبسوط”، ص 4 من المقدمة.
  5. الإمام السيوطي رحمه الله، “تنوير الحوالك”، ص 3/166.
  6.  نفسه، 3/167.
  7. ورد في: الإمام الشاطبي رحمه الله، الموافقات 4/186، وسيأتي تخريجه.
  8. الإمام السيوطي، مرجع سبق، 1/4.
  9.  الإمام الشاطبي، مرجع سبق، 4/187.
  10. – الإمام القرافي رحمه الله، “الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام” ص77.
  11. – الإلغي، رضى الله إبراهيم، “فتاوي النوازل في القضاء المالكي” ، مجلة دعوة الحق، عدد 03، السنة 21، ص 88.
  12. – نفسه، ص 70.
Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons