تربيتنا والأدب

أدب الطفل – الأبعاد والخصائص

image

د.هشام موساوي

شكل الأدب على الدوام، بالإضافة إلى كونه تعبيرا عما يخالج النفس ويعتريها، أحد العوامل الأساسية الموجهة لسلوكات الفرد في إطار علاقته بالمجتمع وبمكوناته. وهو بذلك إما أن يوجه الإنسان إلى ما حَسُن من فعل وقول، ويصور ما سما من قيم وما جمُل من أحداث. وإما أن يوجه لما يحرك شهوانية الإنسان ويدفعه إلى قض أركان المجتمعات والحضارة الإنسانية، فهو كمثله من أفعال الإنسان وأقواله مرتبط بسياق إنتاجه وبفضاء وزمان تلقيه، فما يصلح أن يتلقاه البالغ الراشد فينتفع بلغته وتخييله وقيمه وشكله لا يستوي حتما أن يكون صالحا للطفل الذي لازال في مرحلة الاكتشاف والتعرف والتمييز بين ما صلح وما طلح.

من هذا المنطلق فأدب الطفل، على الرغم من انضوائه ضمن الآداب العامة، ونجد فيه تلاوين الأدب المختلفة من شعر وزجل وقصة ومسرح وحكاية شعبية، إلا أنه يتميز عن غيره، كون الغاية منه أكثر هيمنة على تصوير الواقع أو تخييله كيفما كان، كما قد نجد في الشعر وأغراضه المتنوعة أو الرواية وأطروحاتها المختلفة. فأدب الطفل أكثر ارتباطا بالأبعاد التربوية دون غيره، وبأثره على سلوك الطفل وقيمه.

أدب الطفل: المفهوم

رغم رفض كثير من الأدباء والنقاد تصنيف الأدب بناء على الجنس( أدب نسائي) أو على السن( أدب الشباب). إلا أن الإجماع بينهم حاصل في التمييز بين أدب الطفل وباقي الآداب. ويتميز أدب الطفل بمخاطبته لفئة معينة دون غيرها وهم الأطفال. بما يتماشى مع مستوياتهم اللغوية وإدراكاتهم العقلية وتفاعلاتهم الوجدانية. فأدب الطفل يرتبط أساسا ببيئة الطفل وبنفسيته ويقدم الحياة بصورة مبسطة لا يكتنفها تعقيد ولا يغلفها غموض. وأدب الطفل كممارسة ارتبطت بوجوده. إذ لا يمكن الحديث عن زمن محدد لظهور هذه الممارسة، فالحكاية الشعبية ضاربة في القدم ومرتبطة بالشفهي عند الشعوب، وبسعيهم لنقل خبراتهم وقيمهم للأجيال اللاحقة.

أما أدب الطفل بوصفه مصطلحاً فقد تبلور في العصور الحديثة، ويراد به جميع الأعمال الإبداعية الشفهية ( كالحكاية الشعبية والألغاز.. ) أو المكتوبة ( كالأشعار والقصص ومسرح الطفل.. ) التي تتماشى مع إمكانات الطفل وقدراته العقلية، وتستهدف مرحلته، سواء قدمه الطفل بنفسه أو البالغ الراشد.

أدب الطفل: أهميته

يستقي أدب الطفل أهميته وخصوصيته من أهمية مرحلة الطفولة التي يخاطب، فهذه المرحلة أساسية في تكوين شخصية الإنسان، ولها آثار وانعكاسات في توجيه سلوكه وتبنيه لقيمه. فالطفولة مرحلة يسهل خلالها تشريب الطفل المبادئ والأخلاق، أضف إلى ذلك حاجات الطفل المعرفية والمهاريـة القيمية والبيولوجية والاجتماعية، والتي تحتاج إلى من يحملها إلى الطفل بيسر وسلاسة بما يتماشى مع حاجاته للعب والترفيه والتنفيس عن رغباته. لذلك فمراعاة هذه المرحلة العمرية يستوجب من الأدب الموجه له استحضار قابلية الطفل للتعلم وقدراته على الإدراك، إضافة إلى المتغيرات الجسمية والعاطفية والإدراكية.

من هذا المنطلق فإن توجيه الخطاب للطفل يفرض فهم تطلعاته ورغباته ومشاكله وطبيعة أحاسيسه، لأن تجاهلها إعدام لطفولته، كما أنه يفرض استحضار بيئته الاجتماعية وحاجياته المستقبلية.

أبعاد أدب الطفل

1البعد الترفيهي:

إن عالم الطفولة مدثر بالترفيه والتسلية، وبرغبة غير منقطعة لدى الأطفال للعب واللهو، لذلك فالأدب الموجه لهم لامناص من أن يكون مغلفا بهذا المعطى. ففي أدب الطفل لابد أن يحضر الطفل بعوالمه قبل أن يتحقق الأدب بأهدافه. من هنا فالهدف الأول لهذا النوع من الأدب هو الترفيه واللعب، ومن خلال ذلك يسعى الطفل إلى أدبه فيسهل تلقيه لمتونه وتبنيه لما يحمله من قيم وتجارب. فأدب الطفل أدب شكل بالنسبة له قبل أن يكون أدب مضمون، وهو عكس ما ينظر به الراشد إلى ما يقدمه للطفل، لذلك وجب أن يوفر التشويق اللازم والمتعة، من خلال توريط الطفل فيما يقدم له وجذب انتباهه، إما عن طريق الغريب من الشيء أو المحبوك من الحكي أو ما كان له إيقاع من القول.

2 البعد التربوي/ التعليمي:

أولى الإسلام أهمية كبرى لمرحلة الطفولة باعتبارها المرحلة الأنسب للتربية والتعليم. وقد حث في كثير من النصوص الشرعية الآباء على ضرورة توجيه سلوكات أبنائهم خلال الطفولة، وتدريبهم على صفات نفسية ومبادئ إنسانية، وعلى قيم أخلاقية كعدم التكبر وعدم رفع الصوت، يقول سبحانه في خضم وعظ لقمان لابنه: “يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور” لقمان 17-18.

وبهذا فإن أدب الطفل من خلال أجناسه المختلفة يصبح وسيطاً تربوياً بين الآباء والمجتمع من جهة، والأطفال من جهة أخرى. كل ذلك بهدف تحقيق حاجيات الطفل المختلفة، كحاجاته المعرفية التي يعبر عنها بأسئلة متكررة وبشغفه الدائم لمعرفة الأشياء واستكشاف المجهول، وكذا حاجته للأمن وللانتماء للوسط الاجتماعي من خلال اكتساب مهاراته وسلوكاته وتقاليده، وتقدير ممارساته وعاداته. كما أن أدب الطفل، من خلال القصص والحكايات الشعبية، يسهم في إرساء القيم الإنسانية وتأكيدها في ممارسات الطفل اليومية، خاصة وأنه دائم السعي إلى تقليد ما يراه أو يسمعه. فإن أحسنا اختيار ما يقدم له، صار الأدب مربياُ، مصلحاً لسلوكاته وموجهاً لتصرفاته.

ويمكن إجمال البعد التربوي لآداب الطفل عموماً فيما يلي:

* مساعدة الطفل على فهم ذاته وبيئته وأهم التغيرات التي يخضع له نفسياً وجسمانياً.

* دفعه إلى تقدير ذاته، وتقدير مجتمعه وتبني القيم والأخلاق.

* تمثل السلوكات الخاطئة ومساعدته على تجاوزها.

* دفعه إلى التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، بغية تهييئه لفهم علة وجوده.

* تحفيز الطفل على التفكير، وتيسير نقله من المستوى المعرفي الملموس والمحسوس إلى المستوى المجرد.

* تنمية إدراكه اللغوي، ومعرفته بالأشياء.

* تنمية كفاءته التواصلية.

* تثمين قدراته الفكرية والإدراكية، وكذا رغبته في المرح واللعب.

أدب الطفل: مميزاته:

إن تقديم الأدب للطفل ليس بالأمر الهين، فكل ما يقدم له يجب أن يستحضر إضافة إلى الأبعاد السابقة، الخصائص التالية:

اعتماد البساطة: إذ يعتمد أساسا على أسلوب الوصف والتصوير، بنقل مشاهد واعتمادها لتمرير القيم الاجتماعية والإنسانية كما يعتمد لغة بسيطة وجمل قصيرة.

اعتماد الحكاية: فأدب الطفل غالبا ما يرتكز على حكاية تمتلك حبكة محكمة بين مكوناتها السردية، الزمن والشخصيات والمكان، تجعل الطفل مشدودا لما يقرأه أو يسمعه.

اعتماد الخطية في الحكي: فما يقدم للطفل لا يحتاج إلى مفارقات زمنية خلال عملية الحكي من استرجاع أو استباق، وإنما يعتمد على خطية الحكي والانطلاق من نقطة البداية لتتناسل الأحداث بشكل متنامي، يمكن الطفل من استنتاج القيمة المراد ترسيخها بيسر وسهولة.

اعتماد الغريب والعجيب: (الحكاية العجيبة). فرغبة الطفل في الاكتشاف والتعرف على الأشياء تجعله ينجذب بسهولة إلى كل ما هو غريب وعجيب، لذلك فاعتماد القصص العجيبة التي تحكي عن عوالم خيالية تنال حب الطفل وتأسر انتباهه وتحقق تعاطفه النفسي مع قوى الخير، فيسهل ترسيخ المبادئ والأخلاق في نفسيته.

كما يفترض بالمتخصص بأدب الطفل أن يستحضر الأبعاد النفسية للطفل، وقدرته الهائلة على التفاعل الإيجابي مع ما يقدم له، ويلخص الدكتور مبارك ربيع في خضم حديثه عن المسرح المدرسي1 الأسس النفسية و التربوية فيما يلي:

الطابع الإحيائي للقدرات الإدراكية للطفل، والمتمثلة في قدرته على إضفاء الحياة والمشاعر الشخصية على كل مظاهر الكون من حي وجماد.

قدرته على التقليد: إذ تعتبر هذه القدرة أساساً نفسياً اجتماعياً للطفل، والذي يظهر من خلال اللعب الذي يكون فيه الطفل الممثل والمؤلف.

التعاطف والمشاركة: “فمبدأ التقليد يتضمن مبدأ التعاطف والمشاركة “2

الإسقاط: وهو ” المظهر الذي يجعل الطفل يضفي رغباته ونزواته على الغير من موضوعات وأحداث “3

إضافة إلى ذلك يرى الدكتور مبارك ربيع أن المسرح ليحقق بعده التربوي لابد أن يتضمن مبدأي التقمص والفرجة.

على سبيل الختم

إن هاجس التعرف على عالم الطفولة، والخوض في غمارها، بهدف تنشئة أطفالنا تنشئة سليمة، تقتضي تضافر جهود الجميع، أسرة ومدرسة وجمعيات المجتمع المدني. إلا أننا نشهد اختلالا عظيماً في هذا الباب. فبالرغم من الجهود المحمودة للمدرسة – رغم ضآلتها – في إرساء أدب للطفل يتماشى مع خصوصياته العمرية إلا أن الوسيط الإعلامي عبر آليته المؤثرة، وهي التلفاز، يقدم إبداعاً سيئاً للطفل يخرجه من خلال الأفلام الكرتونية من مرحلته العمرية، ويغمسه في العنف والإيحاءات الجنسية وقدرات الأبطال الخارقين، مما يطرح له تصورات خاطئة وبعيدة عن واقع عيشه، ويدفعه إلى تبني سلوكات خاطئة وقيم منحرفة.

الهوامش

1 – مبارك ربيع، الأسس النفسية التربوية لمسرح الطفل، سلسلة آداب و فنون، المسرح و التربية،1988.
2 – نفسه، ص: 88.
3 – نفسه.
Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons